الازدواجية السلوكية في الأزماتهل نعيش حالة من الفصام الاقتصادي؟
الازدواجية السلوكية في الأزمات
هل نعيش حالة من الفصام الاقتصادي؟
أد/ محمد دمان ذبيح
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين ثم أما بعد
إن من أكثر ما يثير التساؤل، و الاستغراب أن تجد شخصا يتصرف بطريقتين مختلفتين، أو متناقضتين أمام موقف واحد، وهو التصرف الذي يعرف ب “ازدواجية السلوك“، أو “التنافر المعرفي”،ولاشك بأنه المصطلح الذي نجده مجسدا في تصرفات بعض الأفراد خاصة أثناء الأزمات المختلفة، بحيث ينتابهم الخوف من المجاعة، ويظهر ذلك من خلال صور التخزين ، والاكتناز المتعددة, وفي الوقت نفسه تراهم مصرين على مختلف أشكال، وأنماط استهلاك الرفاهية، ويتجلى ذلك من خلال الإسراف، والتبذير بطريقة تتجاوز حدود المنطق، والعقل، وهو ما يجعلنا نطرح السؤال التالي:
فيم تتمثل الأسباب الرئيسة لهذا التناقض الظاهري أثناء الأزمة بين الخوف من المجاعة , والإصرار على استهلاك الرفاهية؟
وهو ما سنحاول بإذن الله تعالى أن نجيب عنه في هذه الكلمة المتواضعة، وذلك كما يلي :
أولا : الاكتناز
يعد الاكتناز عقبة كؤود في وجه كل نشاط اقتصادي، وذلك لما يؤدي إليه من تعطيل للموارد الإنتاجية، وعدم تعبئتها، وتوجيهها إلى الاستثمارات المختلفة، حتى أطلق عليه البعض” تصلب الشرايين الاقتصادي“، لأن حجب الجزء المكتنز من الأموال عن التداول، وتعطيلها عن أداء دورها الاقتصادي يؤدي إلى توقف عجلة التنمية، وعرقلة المسار الاقتصادي في المجتمع.
أ_ تعريف الاكتناز
- لغة يعرف الاكتناز بأنه المال المدفون، وجمعه كنوز.[1]
- وفي الاصطلاح يقصد به” الاحتفاظ بالمدخرات في صورة أرصدة نقدية عاطلة[2].”
وهو ما يعرف بزيادة التفضيل للسيولة.
والاكتناز غير الادخار، وتختلف طبيعته عن طبيعة الادخار اختلافا كبيرا، فالادخار هو عملية اقتصادية إيجابية ومفيدة لأنه المصدر الأولي للاستثمار الذي يتولد منه الدخل الجديد، والاكتناز ظاهرة عقيمة اقتصاديا، وسلبية اجتماعيا، والادخار هو الأصل في مبدأ التدفق الاقتصادي ،لأن المال المدخر لا يخرج من حلقة التداول، بل يصب في أقنية الاستثمار، مما يؤدي إلى نماء في الدخل العام، فالاكتناز هو تجميد للمدخرات بأسلوب لا يعدو كونه تراكمات في المخزون، الأمر الذي يُبقي المال بعيدا عن حركة النمو، أما النظريات النقدية فإنها تعد الاكتناز ذلك الجزء المتبقي من مجمل الادخار بعد عملية تحويل الادخارات إلى استثمارات.[3]
ثانيا : دوافع الاكتناز
يعتبر ” جون ماينرد كينز“[4] أول من صنف بشكل دقيق في هذه العوامل التي تدفع بالفرد إلى الاكتناز،وأرجع ذلك إلى عوامل ذاتية ، وعوامل موضوعية
- العوامل الذاتية
وتتمثل بشكل عام فيما يلي :
_ دافع تكوين احتياطي لمواجهة حوادث غير متوقعة,، ودافع الاحتراس ضد حوادث متوقعة.
_ دافع حماية الورثة
_ دافع تحسين الحال في المستقبل
_ دافع المعاملات
_ دافع المضاربة[5]
_ وهناك دافع آخر أيضا يمكن أن نضيفه هنا لما قاله ” كينز ” وهو دافع الشح ، والجشع ، وحب الاكتساب ، والاختزان.
ب_ العوامل الموضوعية
وهي تلك العوامل التي تنطلق من أسباب اقتصادية بالدرجة الأولى، ويندرج تحت هذه العوامل متغيرات مثل الربح ، أو الخسارة الطارئة، وغير المتوقعة في أصول رأسمالية يملكها الفرد، ولا تؤثر في العادة في دخله المنتظم ، وكذلك تعديلات في التشريعات، أو الإجراءات الضريبية، وتعديلات ملحوظة في المعدلات العامة للفوائد المصرفية ، وتبدلات في توقعات الأفراد، فيما يتعلق بمستوى دخولهم الحالية,، واحتمالات ارتفاعها، أو انخفاضها مستقبلا. [6]
وانطلاقا مما سبق يمكن القول بأن هذه العوامل التي ذكرناها سابقا تعبر عن ضغوط حادة ، وشديدة تجعل الفرد يفكر بطريقة التخزين ، والتكديس,خاصة عند وجود الأزمات كالحروب، أو إشاعات نقص السلع ، أين سيجد نفسه يعيش في دائرة من “الهلع الاستهلاكي” ، والذي يؤدي به إلى ما يعرف ب “الشراهة الشرائية “ ، وهي سلوك قهري، و اندفاعي للشراء ، بحيث يجعل المستهلك يقبل، و بشكل غير مسبوق على تخزين المواد الغذائية، الأدوية، أو الوقود، وغيرها من المواد الأكثر استهلاكا ، وإن كان في العادة يتم التركيز بشكل أساسي على الأرز والدقيق ، خاصة في الأزمات ذات العلاقة بالنزاعات، والحروب، ولعل ذلك يرجع إلى العديد من الأسباب منها:
- طول مدة الصلاحية: الأرز الأبيض يمكن أن يبقى صالحا للاستهلاك لسنوات عديدة.
- مصدر طاقة أساسي: يوفر الدقيق والأرز الكربوهيدرات الضرورية للطاقة، مما يعوض نقص الأطعمة الطازجة.
- تعدد الاستخدامات: يمكن تحضير أنواع كثيرة من الطعام باستخدام الدقيق والأرز، مما يقلل من الملل الغذائي.
- مواجهة انقطاع الإمدادات: تأمين مخزون طوارئ للمدى الطويل، حيث تصبح المواد الغذائية نادرة والأسواق غير آمنة.
- سهولة التخزين: يمكن تخزين كميات كبيرة منهما في مساحات صغيرة داخل المنزل. .
ثانيا : الإسراف والتبذير
الإسراف والتبذير من أكثر الأمراض فتكا بالأفراد، والمجتمعات، فهما يعملان على القضاء على كل الموارد البشرية، والمادية التي يمتلكها المجتمع، بمعنى الوقوف حائلا دون تحقيق أي معدل من النمو سواء على مستوى الاقتصاد الجزئي، أو الاقتصاد الكلي.
أولا:الإسراف
- في اللغة هو مجاوزة القصد, وأسرف في الشيء إذا جاوز به حده.[7]
- في الاصطلاح هو تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان، وإن كان ذلك في الإنفاق أشهر.[8]
ثانيا : التبذير
- في اللغة أصله إلقاء البذر وطرحه، فاستعير لكل مضيع لماله.[9]
- في الاصطلاح هو إنفاق المال في غير حقه.[10]
ويفرق بين الإسراف والتبذير في كون الإسراف صرف الشيء فيما ينبغي، زائدا على ما ينبغي، بخلاف التبذير فإنه صرف الشيء فيما لا ينبغي.[11]
ثالثا : أسباب الإسراف والتبذير
تتمثل أسباب الإسراف والتبذير بشكل عام فيما يلي :
- الجهل بأحكام الشريعة الإسلامية ، فقد لا يعلم الشخص حرمة هذين الخلقين.
- التأثر بالبيئة التي يكثر فيها الإسراف، والتبذير.
- الغفلة عن الآخرة.
- مصاحبة المسرفين، والمبذيرين.
- التباهي ،والتفاخر
- السعة بعد الضيق، فإن اليسر بعد العسر يجعل البعض ينقلب من النقيض إلى النقيض، أي من الحرمان إلى الإسراف ،والتبذير.[12]
رابعا : أبرز أسباب الاستهلاك المفرط في زمن الحرب:
- ذعر الشراء، والخوف من النقص: يدفع الخوف من فقدان السلع الأساسية المستهلكين إلى الشراء بكميات تفوق حاجتهم، خاصة مع تواتر أخبار النزاعات.
- غريزة البقاء، وتأمين الاحتياجات: يركز الأفراد على تأمين عائلاتهم أولا، مما يؤدي إلى تكديس المواد الغذائية والأساسية خوفاً من مستقبل غير معلوم.
- توقع ارتفاع الأسعار (التضخم) : يسارع الناس لشراء السلع قبل أن تتضاعف أسعارها نتيجة التضخم الناجم عن الحرب، مما يخلق ضغطا إضافيا على العرض.
- الاضطرابات في سلاسل الإمداد: الحرب تسبب تأخيرا في الشحنات، وإغلاق الموانئ، مما يقلل المعروض، ويحفز الناس على التخزين خوفا من اختفاء المنتجات.
- الثقافة الاستهلاكية المتضخمة: في بعض الأحيان، تؤجج الماكينات الإعلامية، والإعلانية النزعة الاستهلاكية، مما يزيد من شراهة الاستهلاك رغم الظروف الصعبة.
- طبيعة الشخص الاستهلاكية: أي تعود الشخص، أو بتعبير آخر من طبيعته العيش في دائرة استهلاك الرفاهية، وكأنه يحافظ على هذا النوع من الاستهلاك مهما كانت الظروف، والصعاب.
وأخيرا وصفوة القول فإن التناقض الذي يتصف به بعض الأشخاص، في ظل الحروب، والنزاعات، والذي يتجلى كما ذكرنا سابقا في صورة الخوف من المجاعة من جهة، والإصرار على استهلاك الرفاهية من جهة ثانية ، يعود بشكل رئيسي إلى العديد من العوامل أهمها : “ذعر الشراء” الناجم عن الخوف من انقطاع السلع، وغريزة البقاء التي تدفع لتخزين المواد الأساسية، ووسائل الإعلام التي تشجع على الاكتناز،و استهلاك الرفاهية في الوقت نفسه، هذا إلى جانب تعود الشخص على استهلاك الرفاهية في كل الظروف، والأحوال, و يتفاقم هذا السلوك بسبب مخاوف الأمن الغذائي، الاضطرابات في سلاسل الإمداد، والتوقعات بارتفاع الأسعار، مما يؤدي إلى زيادة شراهة الاستهلاك رغم التناقص في القوة الشرائية.
تم بعون الله تعالى وتوفيقه
الهوامش
- بن منظور، لسان العرب، م5، ص: 3937. ↑
- محمد زكي شافعي ،مقدمة في النقود والبنوك ، ص : 357. ↑
- محمد بشار كبارة ، الاكتناز ، www.arab-ency.com. ↑
- اقتصادي انكليزي ( 1883- 1946) , يعتبر مؤسس النظرية الكينزية من خلال كتابه” النظرية العامة في التشغيل والفائدة والنقود”. ↑
- جون ماينرد كينز ، ” النظرية العامة في التشغيل والفائدة والنقود ، ص : 124 ومابعدها ↑
- المرجع السابق، ص : 109. ↑
- ابن منظور ، لسان العرب ، ج9, ص : 148. ↑
- الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، ص: 407. ↑
- ابن منظور ، لسان العرب ، ج9 ، ص : 148. ↑
- القرطبي ،الجامع لأحكام القرآن، ج10 ، ص : 247. ↑
- الجرجاني ، التعريفات ، ص : 24. ↑
- محمد نوح ، آفات على الطريق ، ص : 36.
التوصيات
العمل على توعية المجتمع بمخاطر الاكتناز، واستهلاك الرفاهية سواء على مستوى الأفراد، أو على مستوى المجتمع.
الإكثار من مثل هذه الملتقيات، والندوات، والأيام الدراسية بغرض غرس معاني الوسطية، والاعتدال في نفوس الأفراد، حتى لا يتعاملوا مع أي ظرف مهما كان بأكثر من حجمه، أو بأكثر مما يستحق.
ضرورة تعاون، وتكامل جميع المؤسسات الفاعلة في الدولة، وهذا من أجل محاربة كل الظواهر السلبية المنتشرة في المجتمع، خاصة أثناء الأزمات كالحروب وغيرها. ↑
