|

الصلح كأحد الوسائل البديلة الودية في حل المنازعات المدنية والتجارية

كاتب المقال : د. أحمد الرجوب.

مستشار قانوني – محكم ووسيط في المنازعات المدنية والتجارية

” الصلح كأحد الوسائل البديلة الودية في حل المنازعات المدنية والتجارية “

إسلاميات : الإصلاح بين الناس

” الصلح كأحد الوسائل البديلة الودية في حل المنازعات المدنية والتجارية “

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

تقوم العلاقات بين الناس على الأخذ والعطاء، فلا يمكن لأحد أن يحيا بعيداً عن مجتمعه بدون التعامل مع الناس من حوله، والتعامل قد يكون عفوياً بسيطاً، وقد يكون واسعاً شاملاً لعلاقات تجارية أو صناعية كبيع وشراء وإجارة ومقاولات، منظمة بموجب عقود تحدد الحقوق والواجبات، وقد أثبتت التجارب أنه غالباً ما يقع عند تنفيذها، خلاف بين الأطراف في تفسير بنودها أو في فهم معانيها، حيث قد يتمسك كل طرف بفهم مختلف للنص، وهو أمر مألوف حدوثه بين بني البشر، قال تعالى: ” وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ”[1].

أنواع المنازعات

إن المنازعات التي تنشأ بين الناس لها تصنيفات مختلفة، يمكن دمجها تحت عنوانين رئيسيين هما:

  • منازعات حول حقوق مدنية، مثل المنازعات التي قد تقع بسبب المعاملات (التجارية – المقاولات – أعمال الصناعة) وهذه بشكل عام يمكن حلها بالوسائل البديلة عن القضاء الرسمي، ما لم ينص الشرع أو القانون على عدم جواز حلها بالوسائل البديلة[2].
  • منازعات حول حقوق جزائية، وتشمل المخالفات والجنح والجنايات التي تتعلق بحقوق الدولة والمجتمع، فهي تبقى من اختصاص قضاء الدولة، وقد حظرت كل التشريعات اللجوء للوسائل البديلة لحل مثل هذه المنازعات لتعلقها بالحقوق العامة[3].

ولذلك نخص الحديث في هذا المقال، عن الصلح كأحد الوسائل البديلة الودية في حل المنازعات المدنية والتجارية، لأن فيه الخير والبركة، ايماناً بقوله سبحانه وتعالى ” والصلح خير”[4]، وإن كانت هذه الجملة مأخوذة من الآية الكريمة التي وردت في معرض الخصومة بين المرأة والرجل فيما يتعلق بالأمور الزوجية والحياة الاجتماعية، إلا أن أهل العلم والتفسير أخذوا بعموم النص، وذكروا بأن الخير واقع بإذن الله في كل أنواع المصالحات التي لا تخالف أحكام الشرع الحنيف[5].

حكم الصلح وفضله

لقد أمر الله تعالى بالإصلاح بين المؤمنين في القرآن الكريم، للحفاظ على تماسك المجتمع، فقال: “إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ”[6]، ووردت آيات وأحاديث نبوية كثيرة حثت على الإصلاح بين الناس، وأكدت فضله، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال:” قال رسول الله ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة، قالوا بلى قال صلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين”[7]، وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: “الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا”[8]، كما روي عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، في وصيته للقضاة ” رُدُّوا الْخُصُومَ حَتَّى يَصْطَلِحُوا ، فَإِنَّ فَصْلَ الْقَضَاءِ يُورِثُ الضَّغَائِنَ بَيْنَ النَّاسِ “[9].

فالصلح يقطع المنازعة والشقاق، ويولد الألفة والتسامح، ويقوم على أساس العدل والإحسان، ويحفظ حقوق الطرفين المتنازعين، ويؤدي لتحقيق مصالحهما المشتركة بتسوية ودية، وقد ورد فيه الكثير من الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث في السنة النبوية الشريفة، ولذلك فقد أجمع فقهاء المسلمين على مشروعية الصلح، وقالوا أنه مندوب إليه بل ومأمور به [10].

الصلح عقد

ولأهمية الصلح فقد أخذ به كوسيلة ودية بديلة عن القضاء، في حل المنازعات بين الخصوم، وإذا انتهى الصلح بتسوية ودية، اعتبر ذلك عقد ينهي النزاع بين المتخاصمين، ولذلك عرفه فقهاء المسلمين بأنه: “معاقدة يرتفع بها النزاع بين الخصوم ويتوصل بها إلى الموافقة بين المختلفين”[11]، وكما ورد تعريفه في قانون المعاملات المدنية الإماراتي بأن: “الصلح عقد يرفع النزاع ويقطع الخصومة بين المتصالحين بالتراضي”[12]،

ويكيّف عقد الصلح لدى فقهاء الشريعة والقانون، وفقاً لأقرب العقود شبهًا له، أو وفقاً للعقد الأصلي الذي نشأ بسببه النزاع، ويرى القرافي أن: “ اعلم أن الصلح في الأموال دائر بين خمسة أمور: البيع إن كانت معاوضة عن أعيان، والصرف إن كان فيه أحد النقدين عن الآخر، والإجارة إن كان عن منافع، ورفع الخصومة إن لم يتعين شيء من ذلك، والإحسان: هو ما يعطيه المصالح من غير الجاني، فمتى تعين أحد هذه الأبواب روعيت فيه شروط ذلك الباب”[13].

أركان وشروط عقد الصلح

عقد الصلح، كاي عقد لا بد أن تتوفر فيه أركان وشروط، وأركانه هي: التراضي، والمحل والسبب، وأما شروطه، فيمكن تلخيصها، بالعدل بين أطراف الخصومة، وعدم تحريم حلال أو تحليل حرام، وعدم المصالحة على حق من حقوق الله تعالى، وتراضي الأطراف على صيغة الصلح، وتوفر الأهلية والولاية في كل من المتخاصمين المتصالحين.

الصلح ينهي الخصومات ويقطع النزاع

ومن أهم آثار الصلح، إنهاء النزاع بين أطرافه، حيث لا تسمع الدعوى أمام القضاء أو أي جهة أخرى، بعد توقيع عقد الصلح الذي تم تصديقه من جهة رسمية أو من القضاء[14]، فيصبح هذا العقد هو الوسيلة الوحيدة لتنفيذ الالتزامات المتبادلة بين الطرفين فيما وقع بينهما من نزاع بشأنه، ولكن لا يكون ذلك إلا فيما اشتمل عليه العقد وبين أطرافه فقط.

آثار الصلح على الفرد والمجتمع

تتحقق بالصلح فوائد عظيمة على الفرد والمجتمع، أهمها قطع دابر المنازعات، فيتحقق السلام والمحبة والعدل والمسامحة، لأنها من مقومات الصلح، فلا يقع الصلح إلا بعد تنازل كل طرف عن بعض حقوقه حتى يتم التوافق، فالصلح يخلص القلوب من الحقد والبغضاء، ويورث التربية على القيم الإنسانية الفاضلة، ويهيئ الأجواء لينتشر الأمن والاستقرار في المجتمع، وكما قد يكون الصلح طريقاً لرد الحقوق المسلوبة إلى أهلها بحلول عادلة شرعية منصفة.

صفات المصلح

يجب على من يقوم بالإصلاح بين الناس أن يكون أهلاً لهذه المهمة، فيتحلى بالصبر الجميل والسمعة الحسنة، والإخلاص والعلم، والنزاهة والحياد وقوة الحجة والبيان، وعليه الاستعانة بالله والتوكل عليه، ولذلك اشترطت القوانين التي اعتمدت الصلح كوسيلة بديلة عن القضاء في حل المنازعات، شروطاً خاصة يجب أن تتوفر في المصلح، كأن يكون كامل الأهلية، وحسن السيرة والسلوك، ولم يسبق الحكم عليه بحكم بات في جريمة مخلة بالشرف أو الأمانة، وأن يكون حاصلا على شهادة البكالوريوس في القانون أو الشريعة، أو أي شهادة تخصصية أخرى أو ما يعادلها من إحدى الجامعات أو المعاهد المعترف بها، وأن يكون من المشهود لهم بالنزاهة والحيدة والأمانة والموضوعية، وقد تشترط أن يتم دورات تدريبية ويخضع لاختبارات محددة، حتى يسمح له بتولي مهمة الصلح[15].

الخاتمة

إن للصلح قيمة إسلامية عظيمة، وهو حاجة ملحة في كل زمان ومكان، وقد يكون أكثر إلحاحاً في هذا الزمان الذي كثرت فيه الفتن والمحن، وقد وجب على من يقوم بالإصلاح بين الناس أن يعكس أهمية هذه القيمة في سره وعله وفي سلوكه، ويبتغي من الصلح وجه الله أولاً، وإن كان قد امتهنه كعمل لكسب رزقه، فإن أخلص فيه وفقه الله بمهمته بفضله وكرمه، فهنيئاً لمن جعله الله من الساعين في الإصلاح بين الناس، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

المراجع

  • القرآن الكريم.
  • قانون المعاملات المدنية الاماراتي رفم 5 لسنة 1985 وتعديلانه.
  • قانون تنظيم أعمال الصلح في إمارة دبي رقم (18) لسنة 2021 .
  • د. بيشارة موسى أحمد، بحث بعنوان الصلح وفض المنازعات من منظور الشريعة الإسلامية.
  • بحث للقاضي عواد حسين العبيدي، بعنوان الصلح في الدعوى المدنية إجراءاته القضائية وآثاره العامة.
  • د نزيه حماد ، عقد الصلح في الشريعة الإسلامية.
  • مجموعة الكلم الطيب.
  • الموقع الالكتروني، أرشيف الإسلام:

https://islamarchive.cc/hadith/38462

  1. – الآية 118 سورة هود.
  2. – مثل حقوق الله، وما نص على منعه القانون مثل الأمور المتعلقة بالحالة الشخصية والأهلية، فنصت المادة 89 من قانون المعاملات المدنية الإماراتي ” ليس لأحد النزول عن حريته الشخصية ولا عن أهليته أو التعديل في أحكامها”..
  3. – مثل التعدي على الأفراد أو التعدي على الممتلكات العامة والخاصة،
  4. – الآية 128 سورة النساء.
  5. – انظر تفسير السعدي.
  6. – الآية 10 سورة الحجرات.
  7. – رواه أبو داوود والترمذي.
  8. – أخرجه الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الصلح.
  9. – حديث رقم: 10635 في السنن الكبير للبيهقي كِتَابُ الصُّلْحِ بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّحَلُّلِ ، وَمَا يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ أَجَازَ.
  10. – فقد ورد تعريف الصلح في القانون رقم (18) لسنة 2021 بشأن تنظيم أعمال الصلح في إمارة دبي، بأن الصلح : أحد الطرق البديلة لحل المنازعات، الذي يتم بموجبه التسوية الودية بين أطراف المنازعة“.
  11. – انظر عقد الصلح في الشريعة الإسلامية للدكتور نزيه حماد.
  12. – المادة 722 من قانون المعاملات المدنية الإماراتي رقم 5 لسنة 1985
  13. – انظر كتاب الفروق ، شهاب الدين أبو العباس القرافي، الجزء الرابع.
  14. – نصت المادة 741 من قانون المعاملات المدنية الإماراتي على أنه : ” مع مراعاة ما ورد في المادتين ( 734 ، 735 ) يحسم الصلح النزاع نهائيا فلا تسمع بعده دعوى المدعي ولو أقام بينة على ما ادعاه أو على سبق إقرار المنكر به.” .
  15. – انظر نص المادة 12 من القانون رقم (18) لسنة 2021 بشأن تنظيم أعمال الصلح في إمارة دبي.

موضوعات ذات صلة