|

العبادة المالية: مداخل اقتصادية

بسم الله الرحمن الرحيم

الدكتور عبد الغفور بركاني، باحث في المعاملات المالية والاقتصاد الإسلامي وقضايا الفكر التربوي والأسري.

العبادة المالية: مداخل اقتصادية

الحمد لله أولاً وأخراً، ظاهراً وباطناً، حمداً يليق بجلاله وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على النبي العدنان محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

وبعد:

فسعياً حثيثاً نحو تأسيسٍ متينٍ لأرضية صلبة صلدة لقواعد مالية ومنهج اقتصادي منيف؛ يأتي الحديث عن عبادة تعد ركناً ركيناً في الإسلام، وعموداً فقرياً في المنظومة المالية والاقتصادية وتداول الأموال بحكمة بالغة ارتضاها الحكيم جل في عليائه، ألى وهي عبادة الزكاة التي لها وقعا الاقتصادي وآثارها في المنظومة المالية بالنظر إلى ارتباطها بالأصناف الثمانية، وارتباط ارتباطاً وثيقاً بالاقتصاد الإسلامي دون سواه؛ وذلك من صلب ما يكسب الفكر الاقتصادي الإسلامي النير واقعيته ورونقه. بل لأهميتها كثيراً ما تأتي في القرآن الكريم مقرونة بأعظم ركن بعد التوحيد وهو الصلاة.

لا تخفى الأهمية القصوى التي أولاها الشرع لهذه العبادة المالية، التي تتعلق بإخراج المال الذي هو شقيق الروح وصرفه وفق ما ارتضاه الله تعالى من الأصناف تقديماً وتأخيراً وتحقيقاً للمناطات العامة والخاصة، وهذا كلّه يجتمع ويتظافر ليزيد لهذا الأصل الأصيل من أركان الإسلام شموخاً، باعتباره حجر أساس لبناء مجتمع متماسك متعاضد متكافل، ولذلك جعلها الشارع الحكيم من أجلّ القربات التي لا تكاد تنفك عن الصلاة شِرعة ومنهاجاً، وهذا ما فقهه جيداً الفقيه الخليفة الراشد الأول صدِّيق هذه الأمة أفضل البشر بعد الأنبياء والرسل [1] عندما رفض أن يُفرَّق بين الصلاة والزكاة تأكيدٍاً منه رضي الله عنه على أهمية الزكاة وعلى وجوبها حتماً لازماً، ” فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما توفي رسول الله ﷺ وكان أبو بكر رضي الله عنه الخليفة من بعده، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر رضي الله عنه كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله، ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني [2] عقالاً كان يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه، قال عمر رضي الله عنه: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق “[3].

يعتبر الوعاء الزكوي معين لا ينضب وعين لا تجف وبئر لا يغور ماؤه؛ والسبب بسيط لأنه أمر مقصده تعبدي صِرف، ومن عرف ما قصد هان عليه ما وجد، وما كان لله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل، ومن وجد الإحسان قيداً تقيد، وهل الجزاء الإحسان إلا الإحسان، فعن أبي هُريرة: أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قَالَ: مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ “[4].

أما الزكاة من حيث المفهوم؛ فقد ورد تعريفه في معجم مقاييس اللغة لابن فارس بمعنين وهما النماء.( ‌‌(زَكَى) الزاء والكاف والحرف المُعتل أصل يدل على نَمَاءٍ وزيادة. ويقال الطَّهَارة ‌زَكاة المال. قال بعضهم: سميَت بذلك لأنها مما يرجى به زكاء المال، وهو زيادته ونماؤه. وقال بعضهم: سميت ‌زكاة لأنها طهارة. قالوا: وحجة ذلك قوله جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] . والأصل في ذلك كله راجع إلى هذين المعنيين، وهما النَّمَاء”[5].

والطهارة: ” الأصل في ذلك كله راجع إلى هذين المعنيين، وهما النماء والطهارة”

جاء في لسان العرب: “وأصل الزكاة في اللغة: الطهارة، والنماء، والبركة، والمدح، وكله قد استُعمل في القرآن والحديث، وهي من الأسماء المشتركة بين المخرج والفعل، فيطلق على العين، وهي الطائفة من المال المزَّكى بها، وعلىالمعنى وهي التزكية “[6].

والزكاة أربعة أنواع على النحو الآتي وهو تقسيم اجتهادي:

ـ زكاة الأنفس: قال تعالى:” وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۝ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ۝ قَدْ أَفْلَحَ مَن زكَّاهَا ۝ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ” سورة الشمس:1- 10.

ـ زكاة البدن: وهي زكاة الفطر من شهر رمضان، فرضت على الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والفقير والغني، والحر والعبد من مسلمي الأمة، حقيقتها طهرة للصائم من اللغو والتفريط، واغاثة للفقراء والمساكين، وهي طعام كما في نص الحديث، قوامها عبارة عن صاع من طعام، أو بر، أو شعير، أو تمر، أو زبيب، أو أقط.

ـ زكاة العلم: ومكمَنها في تبليغه ـ سواء احتيج إليها في شكل فتاوى أو غيرها ـ وعدم كتمانه، ودليه قول ربنا سبحانه :” وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيِّنُّنه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلاً فبئس ما يشترون” آل عمران: (187). وهذا الواجب يسميه البعض زكاةً، وسواء سُمي زكاة أو غير زكاة فالواجب الانفاق منه لأنه ينموا بالإنفاق منه مثل زكاة المال تماماً.

قال الناظم العلامة الإلبيري ينصح ابنه بالإنفاق من العلم قائلاً :

يزيد بكثرة الانفاق منه وينقص إن به كفاً شَدَدتا

ـ زكاة الأموال: وهي بيت القصيد ومربط الفرس كما يقال، وركن من أركان الإسلام، وفيها طهرة للأموال والأنفس معاً، وبه حصول بركة الأموال والأنفس.

أ ـ الزكاة عند الفقهاء.

تقاربت تعريفات أرباب المذاهب الأربعة للزكاة، وسنورد بعضاً منها ـ بحسب الترتيب الزمني ـ ثم نختار تعريفاً مفصِحاً أكثر عن كنه الزكاة فقهاً:

ـ تعريف الحنفية: الزكاة تمليك جزء من مال، عَّيَنه الشارع، من مسلم فقير غير هاشمي ولا مولاه، بشرط قطع المنفعة عن الملك من كل وجه[7] .

ـ تعريف المالكية: الزكاة إخراج جزء مخصوص، من مال مخصوص، بلغ نصاباً، لمستحقه، إن تم الملك، وحال الحول”[8].

ـ تعريف الشافعية: الزكاة اسم صريح لأخذ شيء مخصوص، من مال مخصوص، على أوصاف مخصوصة، لطائفة مخصوصة [9].

ـ تعريف الحنابلة: الزكاة حق واجب في مال مخصوص، لطائفة مخصوصة، في وقت مخصوص .[10]

التعريف المختار :

قلت: يتبيّن من خلال التعريفات السابقة المتقاربة بأن الزكاة هي:” إخراج قدر معلوم من مال مخصوص لجهة مخصوصة بمقصد تعبدي “.

ب ـ الزكاة في المنظور الاقتصادي

يرى الاقتصاديون في الزكاة أنها عبارة عن ” الالتزام المالي للمسلم، بأن يدفع أصل ماله، أو نتاجه الزراعي جزءاً محدداً بوصفه واجباً أساسياً من واجباته الدينية “[11].

وعُرفت أيضاً بأنها: “ضريبة سنوية خاصة تفرض على مجموع القيمة الصافية للثروة، وتجبى من قبل الدولة، وتنفق بواسطتها على الأهداف المحدودة المعينة في القرآن”. وهناك تعريفات أخرى لا تكاد تضيف شيئاً إضافياً على هذه التعريفات.

و يظهر في هذا التعريف الاقتصادي الأخير تغليب الجانب التقني الضريبي؛ وهو أقرب بذلك إلى الوعاء الضريبي منه إلى الوعاء الزكوي، وفيه يُتعرف على المنظور الاقتصادي وفلسفته الضريبية، وسيأتي لاحقا عقد مقارنة دقيقة سريعة بين الوعاء الزكوي والضريبي ليميز الغث من السمين ويُعلم الذي هو أدنى والذي هو خير.

قال صلى الله عليه وسلم: ” إن الصدقة لتطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء “[12].

قال العلماء: والمراد بميتة السوء أو مصارع السوء: ما استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم كالهدم والتردي والغرق والحرق، وأن يتخبطه الشيطان عند الموت، وأن يقتل في سبيل الله مدبراً. وقال بعضهم: هي موت الفجاءة وما أكثرها بأخرَة. وقيل ميتة الشهرة كالمصلوب.

ومثل ذلك: الحوادث والكوارث التي تُشاهد اليوم في كل مكان وعند كل نشرة أخبار تقريباً.

ـ تزكي المال نفسه، وذلك يُفهم من معنى الزكاة اللّغوي الذي هو النماء والزيادة، ناهيك عن آثارها الطيبة المباركة على المال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” ما نقص مالٌ من صدقةٍ، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه “[13].

وهذا أمر مرتبط ارتباطاً وثيقاً باليقين الجازم والتوكّل على الله حق التوكّل، ومن ثم فقد يُيسر لك الرزّاق من خزائنه التي لا تفنى من أسباب تحصيل الرزق من حيث لا تدري، وقد يمنع الله تعالى عنك من الآفات ـ كالأمراض الخطيرة المكلِّفة وغيرها من الجائحات الاقتصادية ـ ما لو حلّت بالمال لهلكته. بل حتى العوام يقولون عن الذي عثر على مال كان قد ضاع منه؛ إنه مالٌ حلالا مُزكّى عنه.

والسؤال الوجيه هاهنا وفي إطار الاقتصار الشرعي والوضعي وفي خضم عقد المقارنة بين الزكاة والضريبة؛ يستساغ طرح سؤال من قبيل هل يحصل ما سبق من المقاصد والغايات الزكوية مع إخراج الضرائب؟ لا شك أن الجواب بَدَهي وهو النفي، لأن نصوص الوحيين دلّت على عبادة الزكاة، والنفس المؤمنة إنما تشرئِب للعبادة لا للمفروض عنها غصباً من غير وجه حق في الغالب، و الدليل الانتفاضات والمظاهرات التي يشهدها العالم الضريبي هنا وهناك في كل وقت وحين وفي مختلف القطاعات وعلى صعيد مختلف جغرافيا العالم احتجاجاً على ارتفاع نسب الضرائب التي تفرضها الدول والحكومات على الاستثمارات والمشاريع … إلخ.

أما الزكاة فتعد من أجل العبادات المالية؛ وهي تارة أخرى أحد أهم أبواب الإنفاق ذي الطابع الإلزامي في الشريعة الإسلامية، وفيها اختبار إيمان المرء ومدى استجابته لأمر ربه سبحانه، ومدى أداءه لهذه الفريضة على الوجه الذي ينبغي، لا بالمزاج والتشهي، وقد وضعت الشريعة لهذ الفريضة جملة من الشروط والضوابط حتى تحقق المقاصد الكبرى والمنافع المرجوة من فرضيتها، الأمر الذي لا يدع مجالاً للتلاعب فيها أو للتهاون في أدائها بالكلية أو وفق الآراء الشخصية المُغرضة، الناتج أحياناً عن الجهل أو التجاهل أو عن الغفلة أو التغافل والتقصير في معرفة شروطها وضوابطها في الغالب.

وقد قسم العلماء شروط الزكاة إلى: شروط خاصة بصاحب المال(المزكي)، وأخرى خاصة بالمال المزكى، والشروط: جمع شرط وهو لغة: العلامة ومنه أشراط الساعة أي علاماتها، وقيل ما يتقرر ليلتزم به في البيع، ونحوه، والجمع: شروط، والشريطة : كالشرط، والجمع شرائط.

وشرعاً: ما كان مستفاداً من الشرع، كجعل طهارة الأعضاء من الحدث والنجس شرطاً لصحة الصلاة، وحولان الحول شرطاً لوجوب الزكاة، والقدرة على تسليم المبيع شرطاً لصحة عقد البيع[14] .

وتأمل في الأصناف الذين تجب في حقهم الزكاة تفهم مقاصد الزكاة وتُدرك محوريتها في تحريك الأموال وعدم كنزها حتى لا تأكلها الزكاة، وتحريك المال هو أس عظيم من أسس الاقتصاد الإسلامي وشموليته، فقد نص الفقهاء أن الزكاة تجب في مال الصبي والمجنون بالتبع على أقوال :[15]

القول الأول: تجب الزكاة في مالهما ويخرج عنهما وليهما، وقد روي ذلك عن جمع من الصحابة كعمر وعائشة وجابر وابن عمر وعن الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد.

القول الثاني: تجب الزكاة في مالهما، ويخرجها الصبي إذا بلغ والمجنون إذا أفاق، وقد قال بهذا القول من الصحابة ابن مسعود وهو قول الأوزاعي والثوري .

القول الثالث: لا تجب الزكاة في أموالهما أصلاً قَال به الحسن وسعيد بن جبير والنخعي وغيرهم.

القول الرابع: لا زكاة عليهما إلا في الخارج من الأرض من الزروع والثمار، وما عدا ذلك فلا زكاة فيه كالنقدين وعروض التجارة وبهيمة الأنعام، وذهب إلى هذا القول أبو حنيفة وأصحابه.

ويمكن إجمال هذه الأقوال وحصرها في قولين اثنين وهما: قول بالوجوب، وقول بعدمه.

استدل الفريق الأول على وجوب زكاة مال الصبي والمجنون بما يلي:

أولاً: عموم الأدلة الدالة على وجوب الزكاة من الآيات والأحاديث، حيث لم تفرق بين الصغير والكبير وبين العاقل وغير العاقل كقوله تعالى: ” وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ “. البقرة، ص: (43). وغيرها من الآيات المستبية والآحاديث المسيتفيظة في هذا المعنى.

ثانياً: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في الناس فقال: (إلا من ولي يتيماً له مال فليتجر فيه ولا يتركه حتى تأكله الصدقة)[16].

ثالثاً: قول عدد من الصحابة والتابعين، ومن ذلك:

ـ قَول عمر بن الخطاب: اتجروا بأموال اليتامى وأعطوا صدقتها، وفي رواية قَال: ابتغوا في أموال اليتامى قبل أن تأكلها الزكاة، وفي رواية: أن عمر كان يزكي مال اليتيم، وفي رواية قَال: ابتغوا لليتامى في أموالهم، وهنا نقف إجلالا لهذا المنهج الاقتصادي النير.

ـ ما جاء عن القاسم بن محمد قَال: كنا يتامى في حجر عائشة فكانت تزكي أموالنا، وفي رواية قال: كان مالنا عند عائشة فكانت تزكيه ونحن يتامى.

رابعاً: قياس الزكاة باعتبارها حقاً مالياً على سائر الحقوق المالية الأخرى كالنفقات وغيرها، فهذه الحقوق واجبة على الصبي والمجنون فكذلك الزكاة.

أدلة أصحاب القول الثاني:

الدليل الأول: قول ربّنا سبحانه وتعالى: ” خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ” التوبة، (103).

ووجه دلالة الاستدلال بالآية هنا: أن من أهم مقاصد الزكاة تطهير النفس من الذنوب والآثام والصبي والمجنون لا يجري عليهما القلم، فلا ذنوب عليهما لأنهما ليسا من أهل التطهير وسقوط التكليف عليهما، والزكاة لا تجب إلا على المكلَّف.

الدليل الثاني: حديث النبي صلى الله عليه وسلم:” رُفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل “[17].

وجه الدلالة من الحديث شبيه بما دلّت عليه الآية الكريمة؛ من أنّ الصبي والمجنون غير مكلَّفين بالزكاة ولا بغيرها من الفروض.

ومن أوجه العبادات المالية الاقتصادية البحتة الآتي:

أ ـ الأضحية:

هي اسم لما يُذبح من النعَم تقرباً إلى الله تعالى من يوم العيد إلى آخر أيام التشريق .

وهي عبادة مالية تتكرر في كل عام، لشكر الله تعالى وحسن عبادته.

ولتكفير السيئات عنه، وللتوسعة على الأهل والفقراء والمحتاجين ، ولمقاصد أخرى من إظهار الفرح والأكل والشرب، ولتعلم الأمم الأخرى أن في ديننا فسحة وتوسعة. ولا عبرة بالقول الذي يُوجب تقسيم الأضحية إلى ثلاثة أثلاث. على الراجح من أقوال العلماء.

ب ـ الكفارات:

الكفارة: هي ما وجب لمحو ذنب اقترف، فهي تكفير وتطهير للإنسان من الخطايا والآثام .

والواجب الآتي:

العتق: وهو في القتل، والظهار، وكفارة الحنث باليمين.

الإطعام: وهو إطعام الفقراء في كفارة الحنث باليمين، وفي الظهار عند العجز عن الصيام، ويُعد الهدي الواجب في كفارات مخالفات الإحرام بحج أو عمرة. وتخير بكسوة الفقراء: فهي كفارة الحنث باليمين .

وهلم جرا من الكفارات الأخرى غير المالية التي تساهم بدورها في توزيع الثروة وتداول المال.

ج ـ النذور:

النذر: هو ما أوجبه المكلف على نفسه من طاعة يفعلها، أو هو إيجاب المكلف على نفسه من الطاعات ما لو يوجبه لم يلزمه، بمعنى أنه تطوع إرادي مُلزم .

وهو حق يوجبه المكلف على نفسه يجعله رهين تحقق مسألته، إذ يكون في سَعة ما لم يقطعه على نفسه، بحيث يأثم إذا لم يوفي به، لقوله تعالى:” وليوفوا نذورهم ” الحج، 29.

ويمكن الرجوع إلى كتب الفقه للاستزادة من فقه النذور في بابه.

خاتمة:

وأخيراً؛ فإن من أهم ما يتصل اتصالاً مباشرة بالعبادة المالية؛ الواجبات المالية علاوة على ركن الزكاة؛ إذ لم يحصر الإسلام هذه العبادة بالزكاة فحسب، وصدقة الفطر فقط. بل تجاوزها بنصوص الوحيين وبالمقاصد الشرعية إلى ما دونها من الواجبات المالية التعبدية، وذلك لتحقيق التوازن الاجتماعي، وعصمة المنظومة المالية والاقتصادية عبر بوابة الحقوق والواجبات التي اشغلت بها الذمم المالية، بحيث تعتبر الواجبات التعبدية المالية الأخرى مكملات وسد لكل خلل ونقص واقع أو متوقع، ولا يُفهم من ذلك عدم نفاذ الواجبات المالية الأخرى إذا تحقق الاكتفاء، بل تؤخذ بحق، وبأمر من الجهات المعنية على أي حال لتحقق الرفاهية الاقتصادية للأفراد، فهل تعلم عزيزي القارئ بعد هذا الفتح الرباني لهذا الاقتصادي الشامل سمياً، ولهذه العبادة المالية شبيها ونظيراً، فما بعد هذا البيان الشافي الكافي، والحكم الباهرات من مشروعية الزكاة وفروعها الفقهية والمقاصدية ومآلاتها المصلحية إلا رفع الرأس بالاقتصاد الإسلامي عالياً، وما بعد هذه الأحكام الشريعة السمحة إلا السؤدد والمجد والمقام الرفيع. والله المستعان.

  1. حديث قال عنه خير البرية محمداً صلى الله عليه وسلم: ” عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر ولكن أخي وصاحبي “. والخُلّة هي أعلى مراتب المحبة ودرجاتها، وهي لم تحصل من الله تعالى لأحد من خلقه إلا لاثنين هما نبينا محمد وإبراهيم عليهم الصلاة والسلام، والخُلّة لا تقبل الاشتراك، ولذلك لما كان نبينا صلى الله عليه وسلم خليلاً للرحمن لم يجز له أن يتخذ أحداً خليلا ولو قُدِّر له أن يتخذ خليلاً لاتخذ أبا بكر رضي الله عنه خليلاً.
  2. وفيه معنى التواطؤ على منعها.
  3. متفق عليه.
  4. رواه مسلم.
  5. معجم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (ت 395هـ)، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر،عام النشر: 1399هـ – 1979م. ص: 3/17.
  6. أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا القزويني الرازي اللغوي، (329هـ – 941م/395هـ – 1004م) عالم وفقيه اللغة، له عدة مؤلفات ومنها: مقاييس اللغة، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزكاة، لابن الخلكان، المجلد الأول، رقم: 49 ابن فارس، ص: 118.
  7. الدر المختار شرح تنوير الأبصار وجامع البحار، علاء الدين الحصكفي الحنفي (ت: 1088)، تحقيق عبد المنعم خليل ابراهيم، طبعة 1، سنة: 2002م، دار الكتب العلمية، ص: 126.
  8. جواهر الإكليل، صالح عبد السميع الأزهري، شرح مختصر الشيخ خليل، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، 1071، الجزء 1، ص: 118.
  9. راجع الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي، محمد بن حبيب الماَوْردي، تحقيق علي محمد معوض وعادل أحمد عبد الجواد، ط 1، ت 1414هـ ، دار الكتب العلمية بيروت لبنان، الجزء: 3، ص: 71؛ والمجموع شرح المهذب، أبو زكرياء يحي بن شرف الدين النووي(ت:676)، تحقيق واكمال محمد نجيب المطيعي. دار الإرشاد، الجزء:5، ص: 295.
  10. كشاف القناع على متن الإقناع، للشيخ منصور بن يوسف البهوتي، المتوفى سنة 1051هـ، دار الفكر، بيروت، لبنان سيئة 1402هـ ، الجزء: 2، ص: 166.
  11. الإسلام والتحدي الاقتصادي، شابرا محمد عمر، طبعة 1، 1996، ترجمة السمهوري محمد زهير، مراجعة الزرقا محمد أنس، عمان الأردن، المعهد العالمي للفكر الإسلامي والمعهد العربي للدراسات المالية والمصرفية، ص: 330.
  12. رواه الترمذي وغيره.
  13. رواه مسلم.
  14. مفهوم الشرط عند الأصوليين وأثره في الفروع الفقهية، د. عبد السلام عبد الفتاح محمد عفيفي، العدد الحادي والثلاثون، ج 4، ص: (1939/1940).
  15. فتح القدير وبهامشه البناية شرح الهداية للعيني، لكمال الدين محمد بن عبد الواحد بن الهمام، المتوفى سنة 891هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، الجزء: 1، ص: 481؛ رد المحتار لابن عابدين، الجزء:2، ص: 4؛ مغني المحتاج إلى معرفة الفاظ المنهاج، للشيخ شمس الدين محمد بن أحمد الشربيني الخطيب، الطبعة الأولى، سنة 1415هـ 1994م، دار الكتب العلمية، الجزء: ص: 409؛ المجموع للنووي، الجزء:5 ، ص: 7؛ المغني لابن قدامة، الجزء: 2، ص: 621؛ فقه الزكاة للقرضاوي، الجزء:1 ، ص: 105؛ المحلى بالآثار، للإمام أبي محمد بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، المتوفى سنة 456هـ، تحقيق: أحمد محمد شاکر، دار الفكر، بيروت، د.ت، المسألة 638.
  16. سنن الترمذي في أبواب الزكاة، (15) باب الزكاة ما جاء في زكاة اليتيم، رقم: 641، لمحمد بن عيسى أبوعيسى الترمذي تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرون، في أبواب الزكاة باب الزكاة ما جاء في زكاة اليتيم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ص: 16.
  17. سنن الترمذي باب ما جاء فيمن لا يجب عليه الحد، رقم الحديث: 1423، ص. 336، ورواه أحمد في المسند، الجزء: 6، ص: 100؛ وأبو داود في كتاب الحدود، الجزء: 4، رقم: 440- 4398، ص: 139ـ 141.

موضوعات ذات صلة