| |

العبادة المالية: مرتكزات المعاملات المالية من خلال موطأ مالك.

بسم الله الرحمن الرحيم

الدكتور عبد الغفور بركاني، باحث في المعاملات المالية والاقتصاد الإسلامي وقضايا الفكر التربوي والأسري.

العبادة المالية: مرتكزات المعاملات المالية من خلال موطأ مالك.

الحمد لله أولاً وأخراً، ظاهراً وباطناً، حمداً يليق بجلاله وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على النبي العدنان محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

وبعد:

فسعياً حثيثاً وبخطى ثابتة نحو تأسيسٍ متينٍ لأرضية صلبة صلدة لقواعد مالية ومرتكزات جمة في المعاملات المالية ومنهج اقتصادي منيف؛ وهذه المرة من خلال كتاب علمي عتيق ثقيل عُد كتاب فقه وحديث، يأتي الحديث عن العمود الفقري للمنظومة المالية والاقتصادية وتداول الأموال بحذر وحيطة، وبحكمة بالغة ارتضاها الحكيم جل في عليائه، عبر بوابة الأحاديث الناظمة للمعاملات المالية وآثارها في المنظومة المالية بالنظر إلى ارتباطها بالأصناف الثمانية، وارتباطها ارتباطاً وثيقاً بالاقتصاد الإسلامي دون سواه؛ بل من صلب ما يكسب الفكر الاقتصادي الإسلامي النير واقعيته ورونقه الحديث والمستمدة من أصالة الفقه والحديث وفقه الحديث. بل لأهميتها كثيراً ما تأتي في القرآن الكريم مقرونة بأعظم ركن بعد التوحيد وهو الصلاة.

تحتل المعاملات المالية مكانة مركزية في التشريع الإسلامي، إذ تهدف الشريعة من خلالها الى تحقيق العدل وحفظ المال، ومنع الظلم والاستغلال وقد جاء الموطأ للإمام مالك جامعا لأصول هذا الباب من خلال أحاديث نبوية تؤسس لقواعد كبرى في المال، والإجارة وعقود الاستثمار وتكمن أهمية هذا البحث: تسعى الى دراسة وتحليل بعض الأحاديث وتنزيلها على الواقع المعاصر.

إشكالية البحث: الاشكال الذي يطرح نفسه كيف يمكن الاستفادة من آراء واجتهادات أئمة وفقهاء المذاهب الفقهية بصفة عامة والمذهب المالكي بصفة أخص وذلك لجودة تأصيله في فقه المعاملات كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ما يدل على أن مذهب مالك أحسن من غيره في بعض العقود والمعاملات، حيث قال بعد أن ذكر بعض مذاهب الأئمة فقال مالك فمذهبه أحسن المذاهب في هذا فيجوز بيع هذه الأشياء وجميع ما تدعو إليه الحاجة أو يقل غرره بحيث يحتمل في العقود.

منهج البحث: اعتمدت في هذا البحث على المنهج الاستقرائي: من خلال دراسة النصوص الشرعية الخاصة بالمعاملات، من خلال الكتاب والسنة وأقوال الفقهاء والمنهج التحليلي: بتحليل النصوص والأدلة الضوابط العقود والمنهيات في البيوع. المنهج التكاملي: الدمج بين ما هو شرعي في معالجة الإشكالية على أن الشرع هو مقياس في كل المجالات والمعاملات

هيكلة البحث: مقدمة

المبحث الأول: أحاديث ضوابط العقود والمنهيات في البيوع

  • المطلب الأول: أحاديث النهي الغرر
  • المطلب الثاني: بيع الطعام قبل قبضه
  • المطلب الثالث: أحاديث الربا والصرف

المبحث الثاني: أحاديث عقود الاستثمار والمشاركة

  • المطلب الأول: أحاديث القراض «المضاربة”
  • المطلب الثاني: أحاديث الكراء والاجارة

الخاتمة والنتائج

المراجع

المبحث الأول: أحاديث ضوابط العقود والمنهيات في البيوع

المطلب الأول: الغرر

أولاً: معنى الغرر في اللغة والاصطلاح

الغرر لغة: الخدعة والباطل، يقال: غرّ فلان فلانًا: إذا خدعه وأطعمه بالباطل) (1)

الغرر في الاصطلاح:

لقد عرّف العلماء الغرر في الاصطلاح بتعريفات متعددة، ولعل من أحسنها ما يلي:

((الغرر: هو الخطر الذي استوى فيه طرف الوجود والعدم بمنزلة الشك)) (2)

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال” نهى الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر”

قَالَ مَالِكٌ وَمِنَ الْغَرَرِ وَالْمُخَاطَرَةِ أَنْ يَعْمِدَ الرَّجُلُ قَدْ ضَلَّتْ دَابَّتُهُ أَوْ أَبَقَ غُلَامُهُ وَثَمَنُ الشَّيْءِ مِنْ ذَلِكَ خَمْسُونَ دِينَارًا فَيَقُولُ رَجُلٌ أَنَا آخُذُهُ مِنْكَ بِعِشْرِينَ دِينَارًا فَإِنْ وَجَدَهُ الْمُبْتَاعُ ذَهَبَ مِنَ الْبَائِعِ ثَلَاثُونَ دِينَارًا وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ ذَهَبَ الْبَائِعُ مِنَ الْمُبْتَاعِ بِعِشْرِينَ دِينَارًا

قَالَ مَالِكٌ وَفِي ذَلِكَ عَيْبٌ آخَرُ أَنَّ تِلْكَ الضَّالَّةَ إِنْ وجدت لم يدر أزادت أم نقصت أو مَا حَدَثَ بِهَا مِنَ الْعُيُوبِ فَهَذَا أَعْظَمُ الْمُخَاطَرَةِ (3)

المطلب الثاني: بيع الطعام قبل قبضه

قال يحي بن يحي الليثي: حدثني مالك عن محمد بن عبد الله بن ابي مريم أنه سأل سعيد ابن المسيب فقال ” إني رجل أبتاع الطعام يكون من الصكوك بالجار فربما ابتعت منه بدينار ونصف درهم فأعطي بالنصف طعاما فقال سعيد: لا، ولكن اعط أنت درهما وخذ بقيته طعاما” (4)

شرح الحديث: الصكوك ج صك وهو الكتاب أو الورقة وذلك أن الأمراء كانوا يكتبون للناس بأرزاقهم وأعطياتهم كتبا، فيبيعون ما فيها قبل أن يقبضوها تعجلا ويعطون المشتري الصك، ليمضي ويقبضه فنهوا عن ذلك لأنه بيع مالم يقبض (5)

وقال صلى الله عليه وسلم ” من ابتاع طعاما، فلا يبعه حتى يستوفيه أو (حتى يقبضه)

هذا الحديث ينهي عن بيع السلعة قبل حيازتها ويمنع انتقال ملكيتها مرتين فبل القبض

الخلاصة: فقد دل الحديث على حرمة بيع الطعام قبل استفائه لما يترتب عليه من خداع الناس وتضليلهم

وأحكام الغرر في الموطأ: يرى مالك أن البيوع التي فيها مخاطرة كبيع السلعة بصفة غير محددة لا تصح، وتعتبر من إضاعة المال، والهدف من النهي هو تحقيق الوضوح في المعاملات وحماية المتعاقدين من الظلم

المطلب الثالث أحاديث الربا والصرف

الربا في الإسلام هو كل زيادة غير مبررة في المعاملات المالية، وهو استغلال محرم يهدف إلى التكسب دون جهد حقيقي، وله آثار سلبية على الفرد والمجتمع، ولذا جاءت الشريعة بتحريمه بشدة.

قال تعالى” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ”.

من السنة النبوية: لَعن رسولُ الله ﷺ “آكلَ الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه”، وقال: “هم سواء” (رواه مسلم)

وقال مالك في الموطأ

أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر قال: قال عمر بن الخطاب لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تبيعوا الذهب بالورق، أحدهما غائب والآخر ناجز وإن استنظرك حتى يلج بيته فلا تنظره، إني أخاف عليكم الربا

وفي حديث أخر:” أخبرنا مالك، حدثنا موسى بن أبي تميم، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما ”

خلاصة ما جاء في الأحاديث إذا بيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة وجب شرطان التماثل في المقدار والتقابض في المجلس ومنع التأجيل والتفاضل، من أجل سد باب الربا الذي يؤدي الى الظلم وأكل أموال الناس بالباطل

الأحاديث وضعت قواعد عادلة تمنع الظلم والاستغلال في المال وما نراه اليوم من فوائد، ومضاربات مؤجلة وصرف بلا تقابض كلها داخلة في خاف من سيدنا عمر رضي الله عنه

المبحث الثاني: أحاديث عقود الاستثمار والمشاركات

يقصد بعقود الاستثمار والمشاركة: العقود التي يشترك فيها طرفان أو أكثر في المال أو فالعمل أو كليهما، بقصد الربح مع تقاسم الأرباح والخسارة وفق ضوابط متفق عليها شرعا ومن بينها المضاربة، الكراء والاجارة، وعقود الاستثمار…

المطلب الأول: أحاديث القراض ([1]المضاربة)

المضاربة اصطلاحـا: هي: “دفع مال معين معلوم لمن يتجر فيه بجزء مشاع معلوم له من ربحه. وأهل العراق يسمون هذه المعاقدة مضاربة، وأهل الحجاز يسمونها قراضا (7)

وقد جاء في الموطأ، عن زيد بن أسلم عن أبيه، أنه قال: (خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب في جيش إلى العراق، فلما قفلا مرا على أبي موسى الأشعري، وهو أمير البصرة، فرحب بهما وسَهَّلَ، ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى، ها هنا مال من مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين ، فأسلفكما، فتبتاعان به متاعا من متاع العراق، ثم تبيعانه بالمدينة، فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين ويكون الربح لكما، فقالا:  وددنا ذلك، ففعل، وكتب إلى عمر بن الخطاب، أن يأخذ منهما المال، فلما قدما باعا فأربحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر، قال: أكل الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما؟  قالا: لا، فقال عمر بن الخطاب: ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما، أديا المال وربحه، فأما عبد الله، فسكت، وأما عبيد الله، فقال: “ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا، لو نقص هذا المال أو هلك لضمناه”، فقال عمر أدياه، فسكت عبد الله، وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر: “يا أمير المؤمنين، لو جعلته قراضا”، فقال عمر: قد جعلته قراضا، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله – ابنا عمر بن الخطاب- نصف ربح المال) (8)

وجاء فيه أيضا عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه عن جده أن عثمان بن عفان أعطاه مالا قراضاً يعمل فيه، على أن الربح بينهما. (9)

تبين هذه الأحاديث التعامل بالمضاربة ولها ثلاثة أركان

– العاقدان وهما صاحب المال والعامل، ويشترط فيهما أهلية التصرف وهو من لا حجر عليه

– المعقود عليه: وهو المال والعمل والربح ولا تصح المضاربة بالعروض (السلع) إلا إذا اتفقا على تقويمها بمبلغ معين الصيغة: وهي كل ما يدل على الإيجاب والقبول (10) هذه الأحاديث قد أسهمت إسهاما واضحا في تنظيم المعاملات المالية بين الشركين، وتبرز أهمية دراسة الأحاديث في هذا المجال لما لها من دور في ترسيخ مبادئ العدالة والشفافية وتحمل المخاطر بصورة مشروعة.

المطلب الثاني: أحاديث الكراء والإجارة

المعاملات في الكراء والإجارة تقوم على التراضي بين الطرفين حيث يلتزم المؤجر بتمكين المستأجر من المنفعة المتفق عليها، ويلتزم المستأجر بدفع الأجرة في الوقت المعلوم ويشترط في الكراء والإجارة تحديد المنفعة والمدة رفعا للنزاع، وأن تكون المنفعة مباحة شرعا، وبالعدل والوفاء بالعقود تستقيم هذه المعاملات وتتحقق المصلحة للطرفين.

عن أبي هُرَيْرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: قالَ اللهُ:” ثَلاثةٌ أنا خَصْمُهم يَوْمَ القِيامةِ، وذَكَرَ مِنهم رَجُلًا اسْتَأجَرَ أجيرًا فاسْتَوْفى مِنه، ولم يُعْطِ أجْرَه ”

إجارةُ لُغةً: الكِراءُ، والأَجْرُ [2]هو الجَزاءُ على العَمَلِ.
الإجارةُ اصْطِلاحًا: عَقْدٌ على مَنْفَعةٍ مُباحةٍ مَعْلومةٍ تُؤخَذُ شَيئًا فشَيئًا مُدَّةً مَعْلومةً مِن عَيْنٍ مَعْلومةٍ أو مَوْصوفةٍ في الذِّمّ (11).
عَقْدُ الإجارة عَقْدٌ لازِمٌ، وذلك باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقْهيَّةِ الأرْبَعةِ: الحَنَفِيَّةِ، والمالِكِيَّةِ، والشَّافِعِيَّةِ، والحَنابِلةِ.
الإجارةَ تَمْليكٌ للمَنْفَعةِ بعِوَضٍ، فأَشبَهَتِ البَيْعَ، فتَلزَمُ.
لأنَّها مُعاوَضةٌ عُقِدَتْ مُطلَقةً فلا يَنْفرِدُ أحَدُ العاقِدَينِ فيها بالفَسْخِ إلَّا إذا وُجِدَ ما يَقْتَضي الفَسْخَ.، أو عَمَلٍ مَعْلومٍ بعِوَضٍ (12)

أصل الإجارة في السنة النبوية:

حديث خيبر: روى ابن عمر أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، وهذا يمثل أصلاً في عقود المشاركة والمُساقاة والإجارة.

حديث الشفعة: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل ما لم يُقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة،

وهذا يتعلق بالملكية المشتركة ولكنه يوضح مبادئ العدل في المعاملات

وأجاز الإمام مالك رضي الله تعالى عنه أن يؤاجر الخياط على خياطة ما يحتاج إليه هو وأهله من الثياب في السنة والقرآن على خبز ما يحتاج إليه من الخبز سنة أو شهرا إذا عرف عيال الرجل وما يحتاجون إليه من ذلك

الخاتمة: خلص العرض الى أن الإسلام وضع أصولا راسخة لعقود الاستثمار والمشاركات المالية، قائمة على العدل والتراضي وتحمل المسؤولية، ولا تزال هذه الأحاديث تمثل مرجعا أساسيا في تطوير المعاملات المالية الإسلامية بما يواكب متطلبات العصر دون الإخلال بالمقاصد الشرعية. وأهم الاستنتاج من البحث أن الأحاديث تدل على جملة من المبادئ أهمها مشروعية عقود الاستثمار القائم على المشاركة، وتحديد الحقوق والالتزامات بين الأطراف وتحقيق العدل وتوزيع الأرباح والخسارة ومنع الغرر والظلم وأكل أموال الناس بالباطل.

لائحة المصادر والمراجعذ

(1) انظر: ابن منظور، محمد بن مكرم بن علي، لسان العرب، 5/ 11.

(2) انظر: الكسائي علاء الدين، أبوبكر بن مسعود، بدائع الصنائع، 5/ 163.

(3) الاستذكار باب بيع الغرر

(4) رواه الامام مالك بن أنس في الموطأ رقم الحديث 21324

(5). انظر ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث والنووي في المنهاج شرح صحيح مسلم 10/ 171

-7 معجم المصطلحات المالية والاقتصادية في لغة الفقهاء الصفحة 422

8- الإمام مالك الموطأ كتاب القراض باب ما جاء في القراض

9- نفس المصدر (الإمام مالك)

10- الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)

11- القاموس المحيط للفيروز أبادي ص 342

12- الإقناع للحجاوي 283/2

موضوعات ذات صلة