|

المرأة وتنمية عجلة الاقتصاد وقفة تدبر اقتصادي في قصة موسى عليه السلام بمدين في مسألة خروج المرأة للعمل

المرأة وتنمية عجلة الاقتصاد

وقفة تدبر اقتصادي في قصة موسى عليه السلام بمدين في مسألة خروج المرأة للعمل

أراد الله تعالى أن يظهر ربوبيته في خلقه، فبسط الأرض وهيّأها، وجعل الإنسان خليفة فيها، مسخّرًا له ما عليها، وجعلها سهلة ممهَّدة للتعمير والتصرف، وألزمه بتنميتها وإصلاحها، ونهاه عن إفسادها وتخريبها. والإنسان – ذكرًا كان أو أنثى – مُكلَّف بهذه المهمة السامية، وهي عمارة الأرض والقيام بمسؤولياتها، غير أنّ كُلًا منهما يؤدي دوره وفق الضوابط الشرعية التي تحفظ الكرامة وتصون المقاصد.

وقد وقفتُ مع آياتٍ بيّناتٍ من سورة القصص، خصوصًا قصة موسى عليه السلام في مدين، فرأيت أنّ هذه الآيات تقدّم لنا أصولا محكمة، وجوابًا شافيًا بإذن الله تعالى لمستفسر عن حكم عمل المرأة خارج بيتها.

فـأقول بعد بسم الله الرحمن الرحيم:
يقول تعالى:

 وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ ۖ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ(27قَالَ ذَٰلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ۖ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ ۖ وَاللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ(28) .سورة القصص

لا شك أن للمرأة دورا بارزا في تنمية الاقتصاد، وقد عُرف في التاريخ الإسلامي نساءٌ كانت لهن بصمة واضحة في هذا المجال، ومنهن السيدة خديجة رضي الله عنها. ولذلك، فإن استطاعت المرأة أن تسهم في تنمية الاقتصاد وهي في بيتها، فذلك أولى وأفضل.
وإلّا جاز لها الخروج للعمل وفق الضوابط الآتية:

الأمن والأمان:

هذا هو الضابط الأساس لخروج المرأة من بيتها لممارسة أي نشاط، سواء كان اجتماعيًا أو اقتصاديًا أو حتى دينيًا. فالمرأة بطبيعتها مظنّة ضعف قد تتعرض للاستغلال أو الإكراه، وقصة موسى عليه السلام مع المرأتين تُبرز مستوى الأمن والطمأنينة الذي يعيشه المجتمع في ذلك الوقت، إذ موسى عليه السلام خرج خائفا يترقب، فحل مدين موضع أمن وأمان. ولذلك، لا يجوز للمرأة أن تخرج لمزاولة نشاط اقتصادي أو المساهمة في تنمية المجتمع إلا إذا تحقق لها قدر كافٍ من الأمن والأمان يضمن سلامتها. . ويشهد لهذا العنصر حديث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ»1.

والحديث عام للسفر جميعه سواء كان واجبًا عليها أو جائزًا، والعلماء فصلوا في ذلك فقالوا: إنه يجوز للمرأة السفر وحديث في الهجرة من دار الحرب وللمخافة على نفسها ولقضاء الدَّيْن ورد الوديعة، وهذا مجمع عليه، وكذا سفر النزهة والتجارة لا يجوز السفر إلا مع المحرم إجماعًا.2

الحاجة:
إن ابنتي شعيب لم يخرجا إلا لضرورة، لأن أباهما كان شيخًا كبيرًا لا يستطيع القيام على معاشهما – وأبونا شيخ كبير.
ويقاس على ذلك حالة المرأة التي يعجز زوجها عن القيام بنفقتها، قياس مساو، والقياس الأولوي على الأرملة معها الأبناء، غير أن الضرورة تزول بزوالها؛ فابنتا شعيب رجعتا إلى بيتهما بعد وجود موسى عليه السلام، إذ قالت إحداهما: يا أبتِ استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين. فبوجود رجل قوي أمين انتفت الضرورة التي أخرجتهما.
عدم الاختلاط بالرجال في مكان العمل:
نستنبط هذا من قوله تعالى: ووجد عليه أمةً من الناس يسقون، ووجد من دونهم امرأتين تذودان.
فالابنتان لم يكونا يسقيان مع الرجال، بل كانتا ينتظران حتى يفرغوا، مما يدل على تجنب الاختلاط. وقد عنون البخاري رضي الله عنه في صحيحه: بَابٌ لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا ذُو مَحْرَمٍ وَالدُّخُولُ عَلَى الْمُغِيبَةِ، ثم قال: حدثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: “إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ”، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ قَالَ:” الْحَمْوُ ” الْمَوتُ”.3
الالتزام بالقيم الشرعية في العمل، خاصة ما يتعلق بالمرأة من الستر والحياء :
وقد نصت الآية على ذلك بقولها: فجاءته إحداهما تمشي على استحياء.
فذكرُ الحياء دليلٌ على التزامهما بالقيم الإسلامية، والحياء يستلزم الستر وعدم التبرج.

فمتى تحققت هذه الضوابط واستوفت شروطها، جاز للمرأة أن تخرج للمساهمة في التنمية الاقتصادية. ولا ريب أن التزامها بهذه الضوابط يجعل عملها خارج بيتها إسهامًا حقيقيًا في نهضة الاقتصاد وخدمة المجتمع، أما إذا أُهملت هذه الضوابط فسينقلب الأمر إلى آثار سلبية تمسّ الاقتصاد والأمة بأكملها.
والله أعلم.

المراجع:

  • 1 الجامع الصحيح، للإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦ هـ), تحقيق وتعليق: الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي, الناشر: مركز الشيخ أبي الحسن الندوي للبحوث والدراسات الإسلامية – مظفر فور، أعظم جراه، يوبي، الهند. الطبعة: الأولى، ١٤٣٢ هـ – ٢٠١١ م ج: 3: ص: 27
  • 2 البدرُ التمام شرح بلوغ المرام، المؤلف: الحسين بن محمد بن سعيد اللاعيّ، المعروف بالمَغرِبي (ت ١١١٩ هـ) المحقق: علي بن عبد الله الزبن، الناشر: دار هجر، الطبعة: الأولى، ج: 5: ص: 198
  • 3 الجامع الصحيح، ج:7 ص: 102

إبراهيم نياس أبوبكر

الطالب، ماستر: المالية الاسلامية وتنمية المجتمع بجامعة مولاي اسماعيل مكناس المغرب،

الجنسية: نيجيريا

موضوعات ذات صلة