دور الزكاة في تحقيق التكافل الاجتماعي
دور الزكاة في تحقيق التكافل الاجتماعي
أد/ محمد دمان ذبيح
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين ثم أما بعد
لا شك أن التكافل الاجتماعي يعبر عن منظومة متكاملة من المبادئ الإنسانية التي تعمل على تماسك المجتمع وترابطه، كما أنه ميكانيزم عادل،وفعال في إسهامه الوظيفي في تعزيز مبدأ التعاون على البر والتقوى بين الجميع، إضافة إلى توحيده لصفوف الأمة من خلال غرس المحبة بين أفراد المجتمع، وتقوية النسيج الاجتماعي، وهي المقاصد التي جاء الإسلام لتحقيقها بوسائل عدة خادمة لهذا المفهوم، وفي مقدمتها الزكاة لكونها موردا مستمرا، ودائما للصناعة التكافلية داخل المجتمع، فهي تجسيد صادق، و واقعي لحديث النبي صلى الله عليه وسلم : ” مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”[1]، وهذا ما سنوضحه بإذن الله تعالى في هذه المقال المتواضع، وذلك من خلال الحديث عن تحصيلها، وإنفاقها على مصارفها في هذا الإطار التكافلي ، ودون التعمق، أو التفصيل في المسائل الفقهية المتعلقة بهذه الفريضة السامقة من تعريفات، وشروط ، وأنواع وغيرها، لأن الهدف من هذا المقال هو بيان تلك العلاقة القوية ، والمتينة بين الزكاة، والتكافل الاجتماعي، وليس الإطار التشريعي، أو الفقهي لهذا الركن الهام من أركان الإسلام.
أولا : من حيث تحصيلها
تعد الزكاة وعن طريق جبايتها من الآليات الهامة لإشاعة التكافل بين أفراد المجتمع، ففي تحصيلها سد خلة المحتاجين، وحفظ كرامتهم، وصون عفتهم، وتخفيف معاناتهم، وحماية لهم من رق العوز وقسوة العيش، وفي الوقت نفسه مد لجسور التواصل ،وتثبيت لدعائم الأخوة والتعاون بين أفراد المجتمع، لشعور الفقير ، أو المحتاج بأنه يعيش كما يعيش غيره، ويحصل على ما يؤمن حياته، لأنه ضمن جماعة ترعى حقه بما يحقق حد الكفاية ،ويوفر مستلزمات الحياة الكريمة، يقول الأستاذ عبد الله ناصح علوان “لا يخفى أن مبدأ الزكاة حين طبق في العصور الإسلامية نجح في محاربة الفقر ،وأقام التكافل الاجتماعي، ونزع من القلوب حقد الفقراء على الأغنياء، وقلل كثيرا من الجرائم الخلقية والاجتماعية ، وذلك بإزالة أسبابها من الفقر والحاجة وعوّد المؤمنين على البذل والسخاء، وهيأ سبل العمل لمن لا يجد المال”. [2]
وهذا يعني أن الزكاة إلى جانب كونها مدرسة لتطهير النفس وتزكيتها، وصقل للروح وتهذيبها، فهي أيضا مؤسسة للتكافل الاجتماعي، بما تتضمنه من تلبية حاجيات الأفراد ،وكفالة مستوى لائق من المعيشة، وتحقيق ضمان اجتماعي خصوصا لتلك الفئات المعوزة، الأمر الذي يعمل على توحيد المجتمع وتماسكه ، حتى وصفها أحد الباحثين بأنها عماد التكافل في المجتمع الإنساني ككل[3] ، بل إنّ بعضهم كالأستاذ عبد الهادي علي النجار يعتبرها أول مؤسسة للتكافل الاجتماعي في التاريخ، فهي الأداة التي تنبع من تراث الأمة وأصالتها ،والتي يبذلها الغني، ويفيد منها المجتمع والدولة، وهذا حتى لا يعيش مسلم معدوما محروما، ولا يبقى غني أنانيا جشعا، هذا هو الضمان، والتكافل الاجتماعي في أرقى وأفضل صورة، كثمرة من ثمار تشريع الزكاة.
ثانيا : من حيث إنفاقها على مصارفها
إن من أهم التجليات العملية لمقاصد الزكاة التكافلية ما يرتبط بمصارفها، ومجالات إنفاقها، والتي تعم كل نواحي الضعف في المجتمع، لسد الخلل فيه بصورة تعمل على تثبيت معاني الأخوة والتعاون بين أفراد المجتمع[4] ، فالعبرة بالسلوك العملي، والإنفاق المادي، والتضامن الحسي، والذي يترجم عمليا من خلال إعطاء الزكاة لمستحقيها الثمانية، وهذا ما سنبينه من خلال ما يلي:
1-الزكاة وتحقيق التكافل في سهم الفقراء والمساكين
من المعروف أن الفقر والمسكنة مشكلة اجتماعية واقتصادية لها عواقبها الوخيمة التي تنعكس سلبا على الفرد والمجتمع معا، ففئة الفقراء والمساكين هي الفئة العاجزة، وغير القادرة على العمل، إما بسبب إعاقة جسمية أو ذهنية، أو بسبب مرض أو شيخوخة، أو يتم ،أو كارثة جعلتهم من المنكوبين المكروبين، أو لأسباب أخرى قد يبتلى بها المرء، ولا يقدر علـى التغلب عليها ، فهؤلاء وأمثالهم ينبغي أن يلقوا من الدولة، وأبناء المجتمع كل عطف ومحبة وتعاون وتكافل ليشعروا بأخوة الإسلام وكرامة الإنسان، وتوفير الراحة لهم، وتأمين سبل العيش الأفضل من أجلهم، لذا فقد تم تخصيص جزء من أموال الزكاة لضمان، وسد الحاجات الضرورية ذات الطابع الاستهلاكي لفئة الفقراء والمساكين، وهو ما سيؤدي إلى تحرير المجتمع الواحد من الحسد والبغضاء والشحناء ، فيسود الأمن ، وتترسخ معاني المودة والوئام. [5]
فالزكاة إذا وبهذا التخصيص تستهدف سلامة البنية الاجتماعية، لكونها تعمل على تربية الشعور بالمسؤولية لدى الأغنياء، وإحساس الفقراء بالاطمئنان والرضا، وهو ما سيعمل بدوره أيضا على تقوية الأواصر بين الأفراد، وإذكاء روح الانتماء للوطن، وسد ذريعة المفاسد التي تنجم عن تضخم الأموال لدى الرأسماليين، وانحصار الثروات في أشخاص معدودين ﴿ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ﴾ [ 07 الحشر ].
هذا وإلى جانب ما سبق فهي تمثل صمام أمان، وشركة التأمين الكبرى ضد مختلف الكوارث، التي ممكن أن تصيب الأفراد حالا أو مستقبلا، فتخرجهم من دائرة الكفاية إلى دائرة الفقر والمسكنة، وذلك عن طريق تدعيمهم ،وانتشالهم من هوة النكبة، ليعودوا إلى قافلة الحياة الاقتصادية مرة أخرى، بمزاولة كل منهم عمله الأصلي تجاريا كان،أو زراعيا، أوصناعيا…إلخ مما يؤدي إلى ضعف تأثير الكوارث على الاقتصاد القومي إلى أقصى حد ممكن، وإلى تكريس صور التعاون والتكافل بين أفراد المجتمع الواحد.
2- الزكاة وتحقيق التكافل في العاملين عليها
ويتجلى مظهر التكفل في هذا الصنف من خلال سد احتياجاتهم، مما يغنيهم ويحفظهم من وسوسة النفس الشيطانية بالاعتداء على الصدقات، وخيانة الأمانات[6] ، أي أن إنفاق الزكاة على هذه الفئة سيعمل على استقرارهم، وتوفير مستلزمات العيش الكريم لهم، مما يؤدي إلى إذكاء روح التعاون والتضامن داخل المجتمع، وتعزيز أواصر الألفة والودّ بين أفراده، تحقيقا لمفهوم التكافل ببعديه المادي والمعنوي.
3- الزكاة وتحقيق التكافل في المؤلفة قلوبهم
إن الله سبحانه وتعالى ما شرع الزكاة إلا ويريد لهذا الدين الانتشار والاستقرار، ولهذه الأمة العزة والتمكين والسيادة، ومن أجل ذلك جعل في مؤسسة الزكاة سهما لتأليف القلوب على الدين الإسلامي ولنشره والتمكين له، والحيلولة دون شن الهجمات عليه، ولإعانة الجاليات الإسلامية، وحماية الأقليات المسلمة من أن يفتنها غير المسلمين عن دينها في الدول غير الإسلامية، فالزكاة في كفالتها لاحتياجاتهم يحفزهم على التفكير في هذا الدين، ويقربهم منه ويشجعهم على اعتناقه ، كما يثبت هذه الجاليات، وهذه الأقليات على هذا الدين، مما يعني قدرة الزكاة على إحداث التقارب والتكافل والتواصل بين جميع الأفراد مسلمهم، وكافرهم قصد التمكين لهذا الدين والدعوة إليه، وحفظه من كيد الأعداء والخصوم .
4- الزكاة وتحقيق التكافل في سهم الرقاب
وكما هو معلوم أن الغرض من هذا المصرف هو إخراج الرقاب من الرق إلى الحرية فالإسلام جاء بالعتق، ولم يأت بالرق، وجعل العتق من أحب القربات إلى الله تعالى، وأحد السبل التي يكفر بها الإنسان عن خطاياه، ولا يكتفي بذلك، وإنما جعل في مال الزكـاة نصـيبا يوجه إلى تحرير العبيد، والعمل على تصفية الرق، ولا شك بأن هذا النصيب، أو هذه الإعانة لدلالة واضحة على مظاهر التكافل والتعاون بين أفراد المجتمع الإسلامي، يساعد غنيهم فقيرهم وشريفهم وضيعهم بصورة أوسع وأنجع مما تحاوله الآن تشريعات المال الرأسمالية والاشتراكية. [7]
ويقرر الفقهاء هذا المبدأ التكافلي في تحرير العبيد وعتقهم حتى ولو استغرق ذلك كل أموال المسلمين ، لذا يجب على جميع المسلمين إذا أن يساعدوهم، ويعينوهم في فك رقابهم حتى ولو اتسع هذا المفهوم إلى استرقاق الشعوب واستعبادهم.
وبهذا تتحقق معاني التكافل أيضا في هذا السهم عن طريق فك أسرهم من الأعداء ، وعتقهم من العبودية والاستعمار.
5- الزكاة وتحقيق التكافل في سهم الغارمين
تساهم الزكاة كذلك بشكل فعال في كفالة الغارم الذي اضطر للاستدانة، سواء أكان هذا الدين للشخص نفسه أم للمجتمع، ولم يتمكن من الوفاء والسداد لأسباب تتـجاوز إمكانياته فيعطى له من الزكاة ما يكفيه لقضاء دينه.
ويهدف الإسلام من قضاء دين الغارم إلى تحقيق التكافل الاجتماعي بين الأفراد، فهو يكفل حياة الغارمين، ويعمل على تقوية أواصر المحبة والتعاون داخل المجتمع، ذلك لأن هذه العملية التكافلية لها الأثر الفعال في نفوس الغارمين، من حيث حمايتهم من ذل المسألة والاحتياج، والوصول بهم إلى تحقيق حد الكفاية من جديد في حياتهم، وفي هذا يقول الأستاذ محمود أحمد غازي ” إن روعة الإسلام، وعنايته بأحوال الغارمين تتجلى في موقفه وتعليمـاته لحل مشكلة الغارميـن، والمستديـنين في ســداد ديونهم:
– فأولا: لقن الإسلام أبناءه تلقينا أدبيا أخلاقيا، أن يجتنبوا تحمل الديون قدر المستطاع، ويستعيذوا بالله من المغرم وغلبة الدين، وإذا اضطروا إلى ذلك فليعقدوا النية على أدائها في أوانها، فإنهم إذا كانوا كذلك كان الله تعالى في عونهم.
– وثانيا: رغب المسلمين في إعانة الغارمين، والقيام بواجبهم الاجتماعي نحوهم ثم وضع قواعد وشرع شرائع لتسديد الغرامات، ووفاء الديون من أموال الزكاة، وموارد بيت مال المسلمين[8] “.
وهذا الذي جسده التاريخ الإسلامي واقعا ملموسا بما تعجز أمامه التشريعات الوضعية المختلفة، فقد روي ” أن والي صدقات إفريقية – الجزائر وتونس- قد أرسل إلى الحاكم العادل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، يشكو إليه اكتظاظ بيت مال الصدقات من غير مصرف يصرف فيه، فأرسل إليه الحاكم العادل أن سدد الدين عن المدينين، فسددها حتى لم يبق مدين لم يسدد دينه، فأرسل إليه بعد ذلك يذكر له أن بيت المال لا يزال ممتلئا، فأرسل إليه اشتر عبيدا وأعتقها” .[9]
وبهذا فالزكاة ترسخ مبادئ التراحم والتكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع من خلال قضاء دين الغارم سواء لمصلحة شخصية ، أو لمصلحة جماعية، شريطة طبعا ألا يكون في معصية الله تعالى كما هو معلوم.
6- الزكاة وتحقيق التكافل الاجتماعي في سهم في سبيل الله
ويشمل هذا السهم وكما هو معلوم كل مصلحة عامة شرعية من جهاد ،وإنشاء العيادات أو مراكز التعليم وغيرها، فالزكاة في كفالتها لمصرف في سبيل الله تضمن مصالح المسلمين العامة ،التي بها قوام أمر الدين والدنيا معا.
ولا شك بأن في هذا الضمان تحقيقا لصورة تكافلية جماعية تنعكس إيجابا على الفرد والمجتمع معا.[10]
7- الزكاة وتحقيق التكافل في سهم ابن السبيل
لقد عنيت الشريعة بتحقيق حاجات ابن السبيل الذي انقطعت به السبل، ولم يتمكن من العودة إلى بلده، فهذا يعطى له من أموال الزكاة ما يبلغه أو يكفيه للعودة إلى بلده ، ويدخل في مدلول ابن السبيل ولاشك اللاجئون الذين اضطرتهم الظروف الاقتصادية أو الاجتماعية ، أو السياسية على اللجوء إلى قطر آخر، فهؤلاء يجب على مؤسسة الزكاة في الدولة التي لجئوا إليها أن تعينهم وتكفلهم، حتى تتيسر لهم العودة الآمنة إلى ديارهم ، لذا يقول الدكتور يوسف القرضاوي: ” إن عناية الإسلام بالمسافرين الغرباء والمنقطعين لهي عناية فذة، لم يعر ف لها نظير من الأنظمة، أو شريعة من الشرائع، وهي لون من ألوان التكافل الاجتماعي فريد في بابه” .[11]
وصفوة القول فيما سبق أن الزكاة تعمل على تأمين المجتمع، ورفده بكل أسباب تحقيق التكافل والتعاون بين أفراده ، يقول سيد قطب رحمه الله : “الزكاة تأمين اجتماعي للأفراد جميعا، وهي ضمان اجتماعي للعاجزين، وهي وقاية للجماعة كلها من التفكك والانحلال”[12] فهي النظام الذي يرسي قواعد التكافل الاجتماعي، ويعززه بين أفراد المجتمع بالشكل الذي تبحث عنه البشرية، وبالصيغة التي تتماشى ومتطلبات الحضارة الإنسانية.
الهوامش
- – رواه البخاري برقم 6011. ↑
- – عبد الله ناصح علوان مرجع سابق ، ص : 63. ↑
- – محمد البهي ، الفكر الإسلامي والمجتمع المعاصر – مشكلات الأسرة والتكافل- ص: 311. ↑
- – عوف محمد الكفراوي، سياسة الإنفاق العام في الإسلام وفي الفكر المالي الحديث – دراسة مقارنة- ، ص: 365 بتصرف. ↑
- – فاطمة الزهراء وغلانت ، البعد المقصدي لمبدأ التكافل في الإسلام ، أطروحة دكتوراه ، ، باتنة ، الجزائر ، 2009-2010 ، ص : 116 وما بعدها. ↑
- – غازي عناية ، الاستخدام الوظيفي للزكاة ، ص: 49. ↑
- -المرجع السابق ، ص : 89. ↑
- – محمود أحمد غازي ، الزكاة وتمويل التكافل الاجتماعي، ص : 419. ↑
- محمد أبو زهرة ، التكافل الاجتماعي في الإسلام ، ص : 79. ↑
- – محمد رشيد رضا ، تفسير المنار، ج10، ص: 585. ↑
- – يوسف القرضاوي ، ، فقه الزكاة ،ج2، ص: 674. . ↑
- – سيد قطب ، في ظلال القرآن الكريم ، م4، ص: 2455. ↑
