|

لا يبع في سوقنا إلا من قد تفقّه في الدين

د. فتحي لعطاوي مدرب معتمد في المالية والمصرفية الإسلامية – نادي الاقتصاد الإسلامي بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد…

د. فتحي لعطاوي

مدرب معتمد في المالية والمصرفية الإسلامية – نادي الاقتصاد الإسلامي

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغرّ الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ وبعد:

فإنّ الله تبارك وتعالى قد حثّ عباده المؤمنين، ونبههم إلى ما ينبغي لهم من التفقه في الدين؛ فقال جلَّ جلاله: { ومَا كان المؤمِنُونَ لِيَنفِروا كَافَّة فَلَولَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرقَةٍ مِنهُم طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَومَهُم إِذَا رَجَعُوا إِلَيهِم لَعَلَّهُم يَحذَرُونَ} [التوبة: 122].

قال العلامة أبو زهرة -رحمة الله عليه-: (..فهنا نفوران: واحد منفي، وواحد مثبت؛ فأمّا المنفي، فهو النفور للجهاد، وهو منفي عن الكافة، أي: ليس للكافة أن ينفروا جميعا للجهاد. والنفير الثاني المثبت المحرض عليه، أن ينفر من كلّ فرقة طائفة، أي ناس متخصّصون في التفقه في الدين، وهؤلاء ينفرون لهذا العلم من كلّ فرقة مقدار من النّاس، واحد أو اثنان أو أكثر عددا..)[1].

والتفقّه في الدين-كما قرره العلماء- قسمان:

  • فمنه ما هو فرض على الأعيان، يتوجّه فيه الطلب إلى المكلّف بنفسه، ولا تبرأ ذمه إلاّ بأدائه، فلا يغني أن يتعلّمه أحد دون أحد.
  • ومنه ما هو فرض على الكفاية-بوجه عام-؛ يتوجّه إلى الأمّة بعمومها من غير تعيين، فيجب أن يقوم به من يكفي؛ وإذا تُرِك أثم الجميع، لأنّ مقصود الشارع حصوله.

وضابط ما هو واجب عيني؛ ما يلزم المكلّف في خاصة نفسه، بحيث تتوقّف عليه صحّة عبادة يودّ فعلها أو معاملة يروم التعامل بها، فإنّه يجب عليه في هذه الحال أن يَعرِف كيف يؤدّي هذه العبادة كما أمر الله، وكيف يقوم بهذه المعاملة ملتزما حدود الله-جل في علاه-[2].

ومن هنا وجب على كلّ مسلم لتصحيح العبادة-مثلا-: معرفة ما تتمّ به طهارته وصلاته وصيامه.. وإن كان ذا مال وجبت فيه الزكاة؛ وجب عليه تعلّم أحكامها.. وإن كان من أهل الاستطاعة في الحج وعزم عليه؛ وجب أن يتعلّم أحكامه.. وإن رغب في الزواج وجب عليه أن يتعلّم أحكامه.. ومن اشتغل بالتجارة والبيع والشراء وجب عليه تعلّم أحكام هذه الأشياء، وما يتعلّق بها من ضوابط وشرائط.. وهكذا.

وبهذا ندرك أنّ تعلّم أحكام التجارة والكسب والاستثمار تعدّ من فروض الأعيان في حقّ التجار، متى توقّفت صحّة أنشطتهم وأعمالهم على العلم بها، فيحرم عليهم الإقدام عليها والخوض فيها إلا بعد الإلمام بشروطها ومفسداتها، والسؤال عن مشكلاتها.

ومن لم يستطع التعلّم، فلا أقلّ من أن يسأل من يعلم، ولا يشقّ طريقه في درب مظلم، فيقع في المطبات، ويرتع في المحرمات من حيث شعر أو لم يشعر؛ قال تعالى: {فاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ{ [النحل: 43]، “فأمر سبحانه من لا علم له أن يسأل من هو أعلم منه”[3].

وفي الصحيحين عن النعمانِ بنِ بَشيرٍ -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يقول: ((الحلالُ بَيِّنٌ، والحرامُ بَيِّنٌ، وبينهما مشْتَبَهاتٌ، لا يعْلَمُهُنَّ كثيرٌ مِنَ الناسِ، فَمَن اتَّقى الشبهاتِ اسْتَبْرَأَ لِدينهِ وعِرْضِه، ومَنْ وقَع في الشبُهاتِ وقَعَ في الحرامِ، كالراعي يرعى حولَ الحِمى؛ يوشكُ أنْ يَرْتَع فيه، ألا وإنَّ لِكلِّ مَلِكٍ حِمىً، ألا وإنَّ حِمى الله محارِمُه ..))[4].

ومن محاسن تبويب الإمام أبي حامد الغزالي-رحمة الله عليه- في كتابه “إحياء علوم الدين”

أنّه عقد ترجمة “في علم الكسب بطريق البيع والربا والسلم والإجارة والقراض والشركة وبيان شروط الشرع في صحة هذه التصرفات التي هي مدار المكاسب في الشرع”.

ثمّ قال-رحمه الله- في مستهلّ هذا الباب: (اعلم أنّ تحصيل علم هذا الباب واجب على كلّ مسلم مكتسب، لأنّ طلب العلم فريضة على كلّ مسلم، وإنّما هو طلب العلم المحتاج إليه. والمكتسب يحتاج إلى علم الكسب، ومهما حصل علم هذا الباب وقف على مفسدات المعاملة فيتّقيها. وما شذ عنه من الفروع المشكلة فيقع على سبب إشكالها فيتوقف فيها إلى أن يسأل، فإنّه إذا لم يعلم أسباب الفساد بعلم جملي، فلا يدري متى يجب عليه التوقف والسؤال. ولو قال: لا أُقدِم العلم، ولكني أصبر إلى أن تقع لي الواقعة فعندها أتعلّم وأستفتي. فيقال له: وبِمَ تعلم وقوع الواقعة مهما لم تعلم جُمَل مفسدات العقود؛ فإنّه يستمر في التصرفات ويظنها صحيحة مباحة. فلا بدّ له من هذا القدر من علم التجارة، ليتميّز له المباح عن المحظور، وموضع الإشكال عن موضع الوضوح، ولذلك روي عن عمر -رضي الله عنه- أنّه كان يطوف السوق ويضرب بعض التجار بالدرّة[5]؛ ويقول: “لا يبيع في سوقنا إلّا من يفقه، وإلا أكل الربا شاء أم أبى”..)[6].

وما حكاه الإمام الغزالي عن سيدنا عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- قد جاء معناه -أيضا- في سنن الإمام الترمذي عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن جده، قال: قال عمر بن الخطاب: (لا يبع في سوقنا إلا من قد تفقه في الدين)[7].

وإذا كان هذا الكلام متجها إلى الأسواق التجارية التقليدية في منطقة جغرافية معيّنة، ومعاملاتها النمطية المتوارثة على مرّ الأجيال، أين يتم تبادل السلع وبيع المنتجات والحاجيات اليومية وتعاطي الحرف.. فكيف بنا اليوم في ظلّ التحولات الجوهرية والعولمة الرقمية التي أصبحت واقعا ملموسا في المعاملات المالية والقطاعات الاقتصادية، حيث برزت الأسواق الافتراضية المحلّية والعالمية، وتفشت التعاملات الإلكترونية على اختلاف أنماطها وتعدّد أنواعها؛ ناهيك عن أسواق الأوراق المالية، وأسواق العملات المختلفة التي يتم فيها تداول تريليونات الدولارات يوميا..

ولا غرو أنّ هذه الموضوعات وغيرها في غاية الأهمية، وفي أمسّ الحاجة للتدقيق في ماهيتها، واستطلاع أحكامها، حتى يعرف الإنسان الحلال من الحرام، ويميّز الطيّب عن الخبيث، ولا يدخل الربا والغرر والتدليس عليه من أبوابٍ قد لا يعرفها…

فالتاجر أو المستثمر المسلم؛ هو مسلم أولا قبل أن يكون تاجرا أو مستثمرا.. وطالما كانت هذه نقطة البداية لديه؛ فإنّ عليه أن يكون متميّزا عن غيره في منطلقاته وأهدافه وتعاملاته وسلوكاته، فهو يمارس نشاطاته متشبعا بمكنوناته الإيمانية التي تخالج قلبه، ملتزما بأحكام شريعته الإسلامية التي تخالط روحه، مستحضرا لضوابطها الأخلاقية التي تنأى به عن المنطلقات النفعية البحتة، ولا يخرج عن هذا الإطار مهما بدا له من بريق أو إغراء، فإنّ فيما أحلّه الله تعالى بدائل طيبة، وفيما شرعه سبحانه مندوحة عما حرمه.

وهذا خلافا لما قد يفعله الآخرون ممن لا يبالون بالحلال والحرام، ولا يفرقون بين الطيب والخبيث، ويستوي في نظرهم البيع والربا، والإعمار والقمار، إذا زاد الربح وتضاعف الكسب…

نسأل الله تعالى أن يكفينا بحلاله عن حرامه، وأن يغنينا بفضله عمن سواه، وأن يعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا، ويلهمنا مراشد أمورنا؛ إنه سبحانه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين؛ وصلّ اللّهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.

  1. زهرة التفاسير (7/ 3483).
  2. وأمّا ما عدا ذلك من نوافل العلم التي لا ضرورة بالناس كافة إلى معرفتها؛ فإنّه فرض كفاية بحيث لا يضيع شيء من العلم الذي بلغه النبي -صلى الله عليه وسلم- أمّته. ينظر: معالم السنن للخطابي (4/185-186)؛ مجموع الفتاوى لابن تيمية(3/ 328)؛ كتاب العلم للعثيمين (ص: 10).
  3. ينظر: أضواء البيان للشنقيطي (7/ 316).
  4. صحيح البخاري (3/ 53) رقم (2051)؛ صحيح مسلم (3/ 1221) رقم (1599).
  5. الدرة-بكسر الدال- التي يضرب بها. ينظر: لسان العرب لابن منظور (4/ 282).
  6. إحياء علوم الدين (2/ 64).
  7. سنن الترمذي (1/ 615) رقم (487).

8 Comments

  1. نفع الله بكم دكتور فتحي، وجعل هذا التنبيه على هذا الأمر البالغ الأهمية -وهو التفقه في أمور المعاملات قبل الإقدام عليها- في ميزان حسناتكم

  2. جزاكم الله خيرا ،،،، ونفع بكم الأمة وجعله في ميزان حسناتك
    أخيكم ،،،، ممدوح مهران محمد
    اخصائي دراسات عليا وبحوث جامعة المنيا جمهورية مصر العربية

    1. آآآمين يارب العالمين ؛ وإياكم
      بارك الله فيكم دكتور محمد .. نسأل الله تعالى أن يعمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، ويزيدنا علما وعملا وأدبا ..

اترك تعليقاً