مراحل الإفتاء في قضايا المعاملات المالية المعاصرة
بسم الله الرحمن الرحيم
الدكتور عبد الغفور بركاني، باحث في المعاملات المالية والاقتصاد الإسلامي وقضايا الفكر التربوي والأسري.
الحمد لله أولاً وأخراً، ظاهراً وباطناً، حمداً يليق بجلاله وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على النبي العدنان محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد:
فسعياً حثيثاً نحو تأسيسٍ متينٍ لأرضية صلبة صلدة لقواعد مالية ومنهج اقتصادي منيف؛ وفق مذهب فقهي رائد، ظلت له الأفضلية والريادة في الصناعة المالية المعاصرة، لوفرة أصوله ونوعيتها؛ في خدمة المنظومة المالية والاقتصادية وتداول الأموال بحكمة بالغة ارتضاها الحكيم جل في عليائه، بالنظر إلى ارتباطها بالأصناف الثمانية، وارتباط ارتباطاً وثيقاً بالاقتصاد الإسلامي دون سواه؛ وذلك من صلب ما يكسب ي الفقه المالكي تميزاً في الفكر الاقتصادي الإسلامي النير بواقعيته ورونقه
ولذلك أضحى الحديث عن المعاملات المالية الإسلامية والمعاصرة منها – حديثا له وزنه وقيمته الشرعية والفقهية والاقتصادية والاجتماعية-، وأمراً لا يختلف اثنان على أهميته ومركزيته ومحوريته في دنيا الناس.
فلا غرُوَّ حينئذ أن تسمع أصواتاً قوية من مصادر مسلمة وغير مسلمة تشيد بنجاح ونجاعة الفقه المالي الإسلامي من قبل أساطين الفقه العالمي المقارن، اعترافا منصفاً ـ وشهد شاهد من أهلها ـ بريادة وسماحة ورقي الفقه المالي الإسلامية بما انطوى عليه من مقاصد جمة وبما حواه من أحكام حكيمة من لدن الحكيم سبحانه وتعالى.
وبدراية ورعاية تأسست القواعد الأصولية والاستنباطية وتحددت معالمها ورسمت حدودها وسورت بما يجعلها متميزة ومتمايزة عن غيرها، مما نبت من أحكام أرضية وضعية فصارت بذلك علما شامخا قائما بذاته يقصد إلى تحقيق مقاصد مالية نافعة، كما أرادها الشارع الحكيم، بمقاصد ظلت منذ ردح من الزمن ولا تزال قبلة المجتهدين وبوابة المفتين ووجهة المستنبطين النظار الحذاق من المتقدمين والمتأخرين ومن تبعهم بإحسان من العلماء الراسخين والأساتذة الباحثين، لتحصيل المقاصد والمصالح على السّواء بحمل الأعباء في استنتاج القياس وتلمس وتتبع سريانه على الأحكام والنظائر والأشباه، وليس ذلك إلا لمن تمكن من ناصية العلم والتوفيق والجمع بين الأدلة والترجيح وهو ولا شك منهج واسع الأكناف متعدد الجوانب وبحر لا ساحل له، لا يقتحمه إلا من أوتي بسطة في العلم والفهم، ولذلك قال الحافظ ابن الصلاح الشهرزوري ـ رحمه الله ـ: “وإنما يكمل للقيام به الأئمة الجامعون بين صناعتي الحديث والفقه والغواصون على المعاني الدقيقة “[1].
وهذا حال علماء الحديث والأثر وكذا حال أهل الفقه والنظر، قال الشاطبي ـرحمه الله ـ مبينا ذلك في مقدمته الثانية من موافقاته: ” إن المقدمات المستعملة في هذا العلم والأدلة المعتمدة فيه لا تكون إلا قطعية لأنها لو كانت ظنية لم تفد القطع في المطالب المختصة به، وهذا بين. وهي إما عقلية كالراجعة إلى أحكام العقل الثلاثة: الوجوب والجواز والاستحالة؟ وإما عادية وهي تتصرف ذلك التصرف أيضا، إذ من العادي ما هو واجب في العادة أو جائز أو مستحيل؟ وإما سمعية وأجلها المستفاد من الأخبار المتواترة في اللفظ بشرط أن تكون قطعية الدلالة أو من الأخبار المتواترة في المعنى أو المستفاد من الاستقراء في موارد الشريعة، فإذًا الأحكام المتصرفة في هذا العلم لا تعدو الثلاثة: الوجوب، والجواز، والاستحالة، ويلحق بها الوقوع أو عدم الوقوع، فأما كون الشيء حجة أو ليس بحجة؛ فراجع إلى وقوعه كذلك، أو عدم وقوعه كذلك، وكونه صحيحا أو غير صحيح راجع إلى الثلاثة الأول، وأما كونه فرضا أو مندوبا أو مباحا أو مكروها أو حراما؛ فلا مُدخل له في مسائل الأصول من حيث هي أصول، فمن أدخلها فيها فمن باب خلط بعض العلوم ببعض”[2].
وهكذا تعرف حكم الأحكام الشرعية المبثوثة في الشريعة والتي يعرفها من يعرفها ويجهلها من يجهلها.
ولقد كان لعلماء المالكية إسهام مقدر ومعتبر في الفقه عموما وفقه الأموال والمعاملات المالية خصوصا، تحريرا وتحرِّيا، تأليفا وتصنيفا، كمًّا وكيفا، مما يدل على نبوغهم فيها، وقد حازوا قصب السبق تاريخيا ومذهبيا وفقهيا من حيث متانتهم الفقهية وجودتهم الأصولية. في التعامل مع أدلة الشرع الإجمالية والتفصيلية ومن حيث النظر في أصول الشريعة الكلية، واستنباط الفروع الجزئية فبلغوا النظر في أصول الشريعة الكلية، واستنباط الفروع الجزئية فبلغوا في العلم الشرعي درجة الاجتهاد العليّة، وللناظر المتأمل في أصول المذهب المالكي ولما ألّفوه فيها من التصانيف الجليلة الفريدة والنافعة في الفقه عموما، وفي فقه المعاملات تحديدا أن يعلم قدر علم الاستنباط الذي ظفر به العلماء وهم يستنبطون ويستصحبون الرأي والشرع ودليل النقل والعقل.
وفي إطار بحثي في المعاملات المالية لم أجد بدا من اعتماد أصل أصيل وركن ركين من هذه القواعد الأصول، ألا وهي سد الذرائع، ليُتخذ كمنظار كاشف عن مناطات المسائل المالية ومستجدات المعاملات المالية حتى لا يتطرق إليها الفساد بوسائله وحتى تحصل المصالح بوسائلها، فكان الأصل المعتمد في هذا البحث ولهذه الجزئية من البحث، والتي تحمست لها كثيرا وأخذت النفس الطويل في محاولة لسبر أغوارها، مستعينا بالله تعالى أولا وآخرا وظاهرا وباطنا. وبالدراسات القديمة والحديثة التي عنيت بهذا الجانب العلمي الفريد والمهم، لعلي بذلك أشارك الساحة العلمية بإعداد بحث يتعلق أساسا بالمسائل الفقهية والاجتهادية في المعاملات المالية، يجمع بين التنظير والتطبيق والتفعيل والتنزيل والتأصيل والتقعيد من خلال إعمال المقاصد الشرعية عند المالكية من خلال النوازل المالية، وذلك بناءً على قاعدة سد الذرائع والتي هي من أدلة مالك ـ رحمه الله ـ المعتبرة والمحتج بها عنده في الشرعيات. وغيرها من القواعد الفقهية المنيفة، المشكلة للمنهج الاستنباطي وللرؤية الاقتصادية السوية.
وسأتناول هذه الجزئية العلمية من خلال ثلاثة مباحث؛ الأول يُعنى بصون المعاملات المالية من الحيل، وفق المذهب المالكي الفذ، والمبحث الثاني في جواز إحداث قول جديد، المبحث الثالث جواز إجراء القياس في جميع أحكام المعاملات المالية.
المبحث الأول: صون المعاملات المالية من الحيل.
كأن يكون أداء الفعل المأذون فيه حيلة إلى المفسدة غالبا.
أكثر العلماء القول والتفصيل والإجمال في الحيل أصالة وبما تفضى إليه تبعاً، وما تكتنفها لزاما من مفاسد عاجلة وآجلة. ولم أجد أوضح ولا أسعف على فهم هذا المبحث الدقيق، مما ذكره صاحب كتاب تطبيقات قواعد الفقه عند المالكية من خلال كتابي إيضاح المسالك للونشريسي وشرح المنهج المنتخب للمنجور، لليبي الصادق بن عبد الرحمان الغرياني، في نص القاعدة 75، والتعليق عليه، وهي قولهم: ” من الأصول المعاملة بنقيض المقصود الفاسد، إذ ” من الأصول المعاملة بنقيض المقصود الفاسد
وعليه حرمان القاتل عمداً من الميراث، وتوريث المبتوتة في المرض المخوف، وجبر الثيب بالزنى إذا قصدت به رفع الإجبار، وابتياع الزوجة زوجها قاصدة حل النكاح، وقاصدة الإحداث على قول أشهب، والوصية للوارث ولأكثر من الثلث، وقاصد الإفادة في البيع الفاسد بالبيع الصحيح على طريق عياض لا اللخمي، وقاصد الفساد في البيع الصحيح كمن اشترى قصيلاً فاستغلاه، فأبى البائع من الإقالة فتركه حتى تحبب على رأي ابن يونس.
ومن هرب برأس المال فيتأخر، ومن أقال في السلم فهرب قبل قبض رأس مال السلم قاصداً فسخ الإقالة. ومن أبدل ماشية فراراً من الزكاة. ومن ارتحل من البلدة التي وجبت فيها الدية على الجاني قبل فرضها فراراً منها فإنه يلحقه حكمها حيث ما كان عند ابن القاسم وغيره [3].
واللفظ الآخر للقاعدة:
ــ (من استعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمان).
فأصل ثبوث هذه القاعدة في الشريعة صحيح تقره أصولها، والأدلة عليه من السنة متظافرة، وقد يضعف المدرك في بعض الفروع المأخوذة من هذه القاعدة عند المالكية لدليل معارض أقوى، فينبغي المصير إليه، من تطبيقات القاعدة.
ــ من طلق امرأته طلاقا بائنا في مرضه المخوف عوقب بنقيض مقصوده وثبت لها الميراث.
ــ من عقد بيعا فاسداً، وخاف أن يرد منه المبيع، فقد قصد إلى تفويته، فباعه لغيره بيعا صحيحا بعد القيام عليه برده، فَهو متعد ببيعه، لأن الواجب في البيع الفاسد أن يرد، ولذا قال عياض خلافا للخمي: يجب أن يعامل بنقيض مقصوده، فلا يعتد ببيعه الصحيح، ولا يعد مفوتا.
ــ من اشترى شراءً صحيحا فاستغلاه وأبى البائع أن يقيله، فأراد تحويله إلى فاسد، فإنه يعامل بنقيض مقصوده ويصحح البيع. كمن اشترى قصيلا أو ثمراً لم يبد صلاحه على الجذاذ، فاستغلاه وأبى البائع إقالته فترك القصيل حتى صار حبا، أو ترك الثمر ولم يقطعه قاصداً إفساد العقد لاشتماله على الغرر حينئذ، فإنه يعامل بنقيض مقصوده ولا يفسد البيع على ما قاله بن يونس.
ــ تأخير رأس المال في السلم كثيراً، إن كان عروضًا أو طعاما أو حيوانا معينا يفسد البيع إن كان التأخير مشروطا، وإن كان التأخير غير مشروط وإنما كان هروبا من أحدهما من تتميم البيع فالبيع ماض، وكرهه مالك.
ــ المشتري إذا أقال في السلم ثم ندم عن الإقالة، فهرب قبل قبض رأس المال، ليبقى السلم إلى أجله ويفوز به، فإنه يعامل بنقيض مقصوده ويرد إليه رأس ماله.
وقد انتقيت هذه التطبيقات على القاعدة لصلتها القريبة بجوهر البحث وكذلك لما لهذه التطبيقات من انسجام مع السياق العام لهذه المباحث.
وهي تارة أخرى مما يتصل بالحيل المفضية إلى المفاسد لا محالة، ولما تبطنه من الظلم الذي حرم بنصوص الوحيين كتابا وسنة، كما يعد منعه من أهم مقاصد المعاملات المالية.
وعند التأمل والنظر في المناهي الشرعية المتعلقة بالمعاملات المالية، يلحظ أن طائفة منها يرجع التحريم فيها إلى ما يفضي إلى ضرر عاجل أو يغلب على الظن أن وقوعه في المستقبل لا محالة، أو إلى مفسدة راجحة، وإن لم تتمحض وتتخلص، سواء أكانت دنيويا أو أخرويا.
وعلى الجملة، يمكن القول في هذا الصدد وبعد ذكر بعض الأمثلة التفصيلية، وبعد الخوض في بعض تداعيات وإشكالات الحيل وما يَنطوي تحتها من تصرفات وما يتمخض عنها من آثار، علم أن العبرة والمعول عليه في المعاملات عامة والمالية خاصة، هو بالصدق البر، وكذلك بمرعاة المصالح والمفاسد والآثار المترتبة، وفق ضوابط عامة وقواعد خاصة ناظمة.
فمهما اختلفت الصور وتنوعت الأساليب وتباينت وتعددت المعاملات والعقود والتصرفات، فالعبرة كذلك بالنية والقصد في المعاملات كما هو معروف متداول في العبادات.
” وقد ذكر ابن القيم لاعتبار النية والقصد في المعاملات والعبادات والثواب والعقاب أمثلة كثيرة منها: بيع الرجل السلاح لمن يعرف أنه يقتل به مسلما حرام باطل؛ لما فيه من الإعانة على الإثم والعدوان، وبيعه لمن يعرف أنه يجاهد به في سبيل الله وطاعة وقربة.
وكذلك الحيوان يحل إذا ذبح لأجل الأكل ويحرم إذا ذبح لغير الله.
وكذلك الصوم، فلو أمسك رجل من المفطرات عادة واشتغالا ولم ينو القربة لم يكن صائما. ولو دار حول الكعبة يلتمس شيئًا سقط منه لم يكن طائفا.
وكذلك لو جامع أجنبية يظنها زوجته أو أمته لم يأثم بذلك وقد يثاب بنيته، ولو جامع في ظلمة من يظنها أجنبية فبانت زوجته أو أمته أثم على ذلك بقصده ونيته للحرام “[4].
ولما كانت الأمور بمقاصدها، جعل العلماء يقعدونها قاعدة، بل إلى قواعد وضوابط، ومنها ʺإنما الأعمال بالنياتʺ، وهو المستمد من حديث أبي حفص عمر رضي الله عنه، كما في الصحيح عن رسول الله × قال: “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل إمرىء ما نوى…+( ) الحديث.
ولذلك كان أول حديث بدء به البخاري ـ رحمه الله ـ صحيحه وصدر به كتابه الثري، وفقهه ـ في تبويبه ـ، ليسحضره كل مؤلف أراد أن يؤلف، وكل مكلف أقدم على فعل من الأفعال، يجعله صوب أعينه وقبالة وجهته، في العبادات والمعاملات، ويكفي شرفا للمقاصد أنها تجعل من العادات عبادات، إن صحت النية وصفت المقاصد المبيتة.
وعلى ذلك المنوال صدر النووي ـ رحمه الله تعالى ـ كذلك كتابه الجامع لأمات الأحاديث وكليات الدين، في كتابه الموسوم ب (الأربعين نووي)، وهكذا به صدر جمهرة من المؤلفين قديما وحديثا كتبهم، ومحاضراتهم العلمية.
وعن ذات الحديث العظيم ـ حديث الأعمال بالنيات ـ وكل أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم عظيمة، قال الأصولي النحرير صاحب الأم، وصاحب الريادة وقصب السبق في الأصولي تنظيرا وترتيبا وتبويبا وتقعيدا: أنه يعد تسعة أعشار الدين وذلك لدخوله في أبواب كثيرة من أبواب العبادات والمعاملات.
وفي الأخير بقيت الإشارة إلى ” أن العبرة في الأحكام الشرعية بالمقاصد والنّيات، وذلك إذا لم يظهر قصد ولا نية فالعبرة بالظاهر”.
قال ابن القيم: ” إذا ظهر قصد المتكلم لمعنى الكلام، أو لم يظهر قصد يخالف كلامه: وجب حمل كلامه على الظاهر”[5].
وإن استنباط الأحكام الفقهية لتطبيق الحكم منها على واقع القضية يحتاج إلى مهارة علمية وملكة قوية، ودراية تامة بالكتب ومنزلتها وتمييز قوى الروايات من ضعيفها، وهذه المرتبة إن توفرت في البعض إلا أنه يقصر عن بلوغها الأكثر.
ثم من المعلوم أن أكثر الفقهيات فيها خلاف لا بين المذاهب الدائرة فحسب، بل خلاف حتى في المذهب نفسه. فيكون هناك مجال للحكم في قضية على أحد القولين أو الأقوال والحكم بقضية أخرى على القول الثاني أو أحد الأقوال. ومعه هذا أن الحكم قد يكون بالتشهي وفي الإلزام بأحكام معينة دفع لذلك “[6].
وهذا الكلام توصلت إليه من خلال بعض الدورات العلمية المالية… والتي لوحظ فيها أحيانا تردد واضطراب في تحديد الجهات المسؤولة والمرجوة لتقريب الفقه المالي الحياتي اليومي الذي لا يكاد ينفك عن دنيا الناس، في ليلهم ونهارهم، وهو آكد من التحولات الواقعة في العديد من التصرفات المالية التي يشوبها ما يشوبها أحيانا من الغموض والضبابية، ومن ثم التردد والتوجس وعدم الإقبال على طرق أبوابها، والركون إليها كبديل عند المحرمة…
والواقع أن الأدلة الكلية غالبا ما تجعل الخلاف واقع، وتباين الآراء حاصل بين النظار والمجتهدين. عند إجراء أقيستهم على حوادث الأعيان وعلى آحاد الأفراد، ومن ثم فلا غرو حينئذ إذا ما وجد الخلاف في الحكم، ذلك أنه لإجراء الحكم وفتح الذريعة عند تحقيق المناط الخاص الذي يقتضيه الدليل الكلي عليها. آيلا بها إلى مفسدة تتعارض مع المصلحة المبتغاة من الحكم الكلي الذي هو ملاذ المجتهدين ابتداء.
ولذلك كان اعتبار مآلات الأفعال من أهم أدوات الاجتهاد، والاستحسان أولى المرتكزات رغم أن ما قد يستحسنه زيد قد لا يستحسنه عمرو وتردفها سد الذرائع تبعا…
كما وتعد الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية خير دليل ومعين على فهم ذلك، فكم من فاتح للذريعة اجتهادا من صاحبه في حمل الشواذ وغثاثة الرخص.
ولا يعني بذلك التمرد على أقوال الأئمة المعتمدين المعتبرين من القدامى والمعاصرين، وهم أنفسهم يربطون العامة والأتباع -وهذا هو الصواب- بالدليل والحجة والبرهان، لا بالأشخاص والأعيان، وقاعدتهم في ذلك: استدل ثم اعتقد ولا تعتقد فتستدل فتضل، ويعرف الرجال بالحق ولا يعرف الحق بالرجال.
وما وضع العلماء الأمناء ضوابط النظر في النازلة إلا لإصابة الصواب وتجنب غيره.
والحديث عن مجالات الاجتهاد في علاقته بفتح الذرائع، يحتم علينا الحديث عن الاجتهاد ونطاقه المرسوم له، فلا يمكن عندئذ الحديث عن اجتهاد في الأحكام الثابتة بالأدلة القطعية الساطعة كالعبادات المقطوع بها من قبيل المعلوم من الدين بالضرورة كالصلوات… وما شابهها مما اتفقت عليه الأمة قديما وحديثا.
“وهذا يدل على أن الأحكام الشرعية باعتبار الاجتهاد فيها وعدمه قسمان:
القسم الأول: ما لا يجوز الاجتهاد فيه.
وهو كل حكم شرعي علم من الدين بالضرورة كوجوب أركان الإسلام وتحريم الاعتداء على الدين أو النفس أو العرض أو المال أو العقل، وكذلك العقوبات والكفارات، والمقدرات شرعا فهي من الثوابت قطعا، وكذلك ما هو ثابت بدليل قطعي من الكتاب والسنة، فإنه لا مجال للاجتهاد في شيء من ذلك ولذلك لا تنسب الأحكام التي ثبتت بالأدلة القطعية إلى مذهب معين إذ لم تثبت باجتهاد أحد حتى تنسب إليه.
القسم الثاني: ما يجوز الاجتهاد فيه.
وذلك في المجالات التالية:
1 ـ الأحكام التي ورد فيها نص ظني الثبوت والدلالة مثل الأخبار الآحادية التي قد يدخل احتمال آخر معتبر في دلالتها على معانيها.
2 ـ الأحكام التي ورد فيها نص ظني الثبوت قطعي الدلالة كالأحاديث الآحادية التي تدل على معانيها قطعا دون احتمال آخر معتبر.
3 ـ الأحكام التي ورد فيها نص قطعي الثبوت ظني الدلالة مثل نصوص الكتاب والسنة المتواترة التي دلت على أكثر من معنى.
وإذا كان النص ظني الثبوت كان مجال الاجتهاد فيه عن طريق البحث في صحة السند وحالة رواته من العدالة والضبط وفي ذلك تختلف أنظار المجتهدين.
وإذا كان ظني الدلالة كان مجال الاجتهاد عن طريق البحث في معرفة المعنى المراد من النص، وقوة دلالته من عموم أو خصوص، أو إطلاق أو تقييد أو وجوب أو ندب أو غير ذلك مما يدخل في إطار الاجتهاد المأذون شرعا.
4 ـ الأحكام التي لم يرد فيها نص من كتاب أو سنة أو إجماع، أو ما ألحق بذلك فمجال الاجتهاد فيها يكون بالبحث عن حكمها بأدلة عقلية كالقياس أو الاستحسان أو المصالح المرسلة أو ما شابه ذلك مما يأتي ذكره وهو أوسع مجالات الاجتهاد.
وهذا النوع الأخير المتعلق بالمصالح المرسلة وما قاربها هو الأكثر حظاً. والأوسع اجتهادا، وهو النوع الذي قد يتحتم على المجتهد، الاستعانة فيه بذوي التخصصات المختلفة لينتفع بما أجادوا وأفادوا به لتكتمل لدى المجتهد الصورة وتزداد وضوحا، ومن تلك التخصصات مثلا، علم الاقتصاد الإسلامي، فقد يستعين فيه المالي والفقيه بالاقتصادي، فتتكاتف الجهود وتوسع المدارك، فتكثر فرص الصواب، وتقل نسب الخطأ، بسبب تعدد الرؤى وتنوع الزوايا التي ينظر بها إلى الصورة أو المسألة المدروسة.
المبحث الثاني: جواز إحداث قول جديد
يرجع أصل هذا المبحث إلى باب عظيم من أبواب الإفتاء وإحداث قول جديد، فهو باب اجتهادي لا يلجه إلا أهله من أهل الدراية والفنون والبصر والبصيرة. وأهل الرسوخ والاستنباط في مقابل أهل التقليد والفقه الفروعي من جهة، وأهل التطفل والتعالم والمغامرة، ممن جعلوا التشهي والهوى ملاذا، وتحكيم العقل مفردا دون الوحي مرتعا، وتوهم المصالح مستندا ومنطلقا، وهو الأمر الذي جعل بعض العلماء يمنعون الاجتهاد تخصيصا وتقييدا، وفي زمان دون آخر لأشخاص دون أشخاص؟
وممن ناقش هذا الإشكال العلامة محمد كنوني رحمه الله تعالى بنقاش علمي هادئ وهادف، وهو مدافع من المدافعين عن المانعين للاجتهاد والمخصصين له بزمان دون زمان ولأشخاص دون أشخاص، رغم توافر شروط في المجتهد الفقيه المستفرغ لوسعه والجامع لجوامع العلم والفنون المختلفة، مما قرره علماء الأصول في كتبهم كالشوكاني والشاطبي… وغيرهما، “بعدما أجاب عن المانعين بأن سبب ذلك المنع هو أن باب الاجتهاد قد ولجه من ليس من أهله. ومن لم يعد له عدته فخافوا من الأهواء المتفرقة أن تلعب بالأحكام الشرعية فاختاروا أهون الشرين. وهو سد الباب في وجوه الأدعياء والأفراد، ولم يقولوا أن الاجتهاد في هذه الأمة كان له زمن معين قد انتهى به الاجتهاد. ولكن صرحوا بأن ما فعلوه إنما هو لما لحق الهمم من القصور عن تحصيل ما يجب على المجتهد تحصيله حتى يكون على بينة مما يقدم عليه إلى أن قال: وإني لا أرى وجها لتخطئة أولئك العلماء لأن إعطاء الحق لكل فرد أن يجتهد ويدون بنفسه رأيا يدعوا إلى العمل به مدعاة إلى زيادة التفرق. والتفرق علامة من علامات الخذلان، انتهى كلامه. ونحن نجيبه بأن ما أطال به من كون المانعين منعوه خوفا من أن يتسرب إلى الاجتهاد من ليس أهله بأن ما ذكره ذهول منع عما اشترطوه في المجتهد من الشروط السابقة الذكر وقوله: فاختاروا أهون الشرين، هذا مردود عليه لأن الاجتهاد ليس شر. بل إغلاق بابه هو الشر حيث يسير الناس معتمدين على الرأي وأعظم به من شر!
إن الاجتهاد كما نص عليه علماء الأصول يدور بين الوجوب العيني والوجوب الكفائي والاستحباب، فكيف يكون شراً؟ وممن قال هذا الشيخ الخضري نفسه في كتابه أصول الفقه في الكتاب الرابع منه الذي عقده للاجتهاد والتقليد فما هذا التناقض؟ نقول: وأعظم به من شر اختاروه لهذه الأمة وحجروا عليها ما لم يحجره الله وضيقوا عليها ما وسعه.
وقوله: بأن ما فعلوه إنما هو لما لحق الهمم من القصور عن تحصيل ما يجب على المجتهد تحصيله… إلخ. نقول: هذا من التحكم في مشيئة الله وإرادته فمن أين جاءهم هذا التعميم في الحكم في حق حاضرهم فأحرى بالمستقبل والغيب الذي لا يعلمه إلا الله سيما والواقع كشف عن ضعف ما قالوه وظنوه فقد أنجب الله رجالا فاق بعضهم بعض الأئمة المقتدى بهم” [7].
وقد أطلت في النقل عن هذا العلامة محمد الكنوني المذكوري -رحمه الله- لما وجدت فيه من الثراء العلمي والتأصيل الشرعي لمسألة دقيقة هي في غاية الأهمية وهي الاجتهاد الذي احتيج إليه على مر العصور والأحقاب.
وأفاد العلامة محمد كنوني بفسح مجال الاجتهاد وبفتح بابه وتوسيع دائرته ورقعته، لأهميته وضرورته الملحة، دون أن يعني ذلك أن بابه متاح لكل واحد ولكائن من كان وللكع ابن للكع. ولذلك نجده في موطن آخر على غرار العلماء الأفذاذ في حديثهم عن الاجتهاد وضوابطه. يقول: “ونحن لا نقول بأن لكل واحد الحق في الاجتهاد؛ بل لابد من التوفر على الملكة الراسخة والنباهة التامة والذوق السليم مع تحصيل العلوم المؤدية إلى هذا الاجتهاد، سواء ذهبنا مع من أطنب في تحصيلها أو مع من اختصر طريقها بالكتب المؤلفة في هذا الشأن، وبذلك نقول كاقتصارهم على كتاب تلخيص المختصر للحافظ بن حجر فيما يرجع لأحد الشروط وهو معرفة جملة من الأخبار النبوية بعدما اشترطوا أولا كتاب جامع الترمذي وسنن أبي داود والبخاري ومسلم، وعللوا هذا الاقتصار بكون الصحابة -رضي الله عنهم- صح اجتهادهم في أحكامهم ولم يحيطوا بالأحاديث علما. وكذلك التابعون وأمة الإسلام ومن لم يعلم أحدا أحاط بها، ولذا قال الشافعي علمان لم يحيط بهما أحد: الحديث واللغة “[8].
وأما الحديث عن إحداث عقود جديدة فلا يعدوا أن يكون داخل في عمل الفقيه الذي هو النظر في الأوصاف وربط الأحكام بها، بالنسبة لعموم المكلفين لأن الحكم الشرعي يتجه إلى أجناس الأفعال والأوصاف، كاتجاه المنع إلى السرقة والزنا والخمر والربا والقتل واتجاه طلب الأمر بالفعل إلى بر الوالدين والصلاة والزكاة، لكن هذا النظر العام في الأنواع يتطلب عند التنزيل في كل نازلة على حدة، لإلحاقها بعموم الحكم، أو التخصيص بنظر خاص إذا استثنيت من العموم بخصائص وقيود وتصرفات عن الاندراج في ذلك العموم[9]ومن ثم فتخصيص النظر في استثناءات واردة ومحاولة إيجاد أجوبة وتكييفات وأقيسة وتنزيلات وأحيانا إنشاءات واجتهادات منقطعة النظير. لنوازل مالية معاصرة، ولعقود مستحدثة بقوة وفرة المعاملات وكثرة العقود والالتزامات يعد من الأهمية بمكان.
والسؤال المستساغ ها هنا هو: هل إحداث قول جديد يعني بالضرورة الانفكاك كلية عن الموروث الفقهي الاجتهادي التأصيلي التراكمي، وعن التكييفات الفقهية، وسريان الأحكام التكليفية فيها؟ أم أن الأمر يتعلق بحركة تشريعية معاصرة، ليس من الضروري أن تستمد فروعها من الفقه الإسلامي. على قول بعض الناس ممن “يرى أن الاجتهاد المعاصر يعني أو يستلزم التخلص من النصوص الثابتة في القرآن الكريم والسنة النبوية وإطلاق القدرة البشرية بغير حد، ولا قيد لتقرر ما تراه من أحكام. ومعظم هؤلاء يقولون إن ذلك هو مقتضى احترام العقل في مواجهة أو مقابلة “النقل+ أو يقولون إن ذلك هو معنى الاعتناء بالمصلحة وإنزالها المنزلة اللائقة بها في التشريع “[10].
سيما وأن مواضيع الاجتهاد الجديد في فقه المعاملات المالية الإسلامية أكثر من أن تحصى -ولأنها تعنينا في هذا الصدد- فما وقع فيها من الاجتهادات الفردية والجماعية كثير وكثير جدا، قد يكون وصل لحد التخمة، ولذلك سيكون بسط القول فيه في الآتي -إن شاء الله -على قدر المطاق والمستطاع، والله المستعان.
المبحث الثالث: جواز إجراء القياس في جميع أحكام المعاملات المالية.
إن القياس بما هو أصل وفرع وعلة وحكم. “ولابد من هذه الأربعة في كل قياس. والأصل يطلق على أمور منها الذي يقع عليه القياس وهو المراد هنا وقد وقع الخلاف فيه. قال الفقهاء: هو الحكم المشبه به… وقيل غير ذلك ولا مشاحة في الاصطلاح ولا يتعلق بتطويل البحث في هذا كثير فائدة ” [11].
سيما وأن الذي يهمنا في هذا الصدد، الأقيسة المتعلقة بالفروع على كثرتها وكثرة نظائرها حاضرا ومستقبلا، وشدة الحاجة إليها لمن أراد أن يجتهد فيقيس أو أراد قياسا في جميع أحكام المعاملات المالية.
ولصاحب كتاب “أصول فقه الإمام مالك أدلة العقلية+ الدكتور فاديغا موسى، مبحث فذ ونفيس، في شروط القياس وبيان رأي الإمام مالك -رحمه الله- فيه وهو جوهر ما نحن بصدده وبصدد كشف لبه وكنهه.
وتحديدا عند مناقشته لما أورده التلمساني المالكي [12]في مفتاح الوصول. وهو يعدد شروط الأصل: “أن لا يكون الأصل المقيس عليه فرعا عن أصل أخر.
واعلم أن هذا الشرط قد اعتبره الأصوليون ونقلوا عن الحنابلة وأبي عبد الله البصري من المعتزلة: أنه ليس بشرط وهو عندنا في المذهب ليس بشرط، بل يجوز عند القياس على أصل ثبت حكمه بالقياس على أصل آخر “[13].
وليس يخفى قوة علم العلامة التلمساني المالكي. فهو من الأكابر الأثبات.
“وفي المقابل يقول ابن الحاجب: وهو مالكي المذهب في معرض ذكره لشروط الأصل: وألا يكون فرعا خلافا للحنابلة والبصري، ثم أخذ يستدل على صحة هذا الشرط بقوله: “لنا إن تحدت فذكر الوسيط ضائع… وإن لم يتحد فسد، لأن الأولى لم يثبت اعتبارها والثانية ليست في الفرع.
ويقول أبو العباس الونشريسي -وهو مالك المذهب أيضا- في معرض انتقاده قياس ابن حبيب الراعي المشترك على الصانع المشترك في التضمين يقول: إنه لا يتم لابن حبيب القياس؛ لأنه قياس فرع على فرع مقيس على أصل والمحققون -ما سوى الحنابلة والغزالي والبصري والباجي وابن رشد- يأبون ذلك “[14].
ثم يتساءل صاحب النقولات ويقول: “فهذان رأيان متقابلات كما ترى من علماء مبرزين في المذهب المالكي، فيا ترى ما هو رأي مالك نفسه في هذا الموضوع على التحقيق…؟ وإن مالك رحمه الله كان يقيس على الثابت بالنص والإجماع بل وأحيانا في مسألة مختلف فيها.
فمما قاسه على ما ثبت بنص القرآن ما جاء في الموطأ “سئل مالك عن الحائض تطهر فلا تجد ماء هل تتيمم؟ قال: نعم لتتيمم فإن مثلها مثل الجنب إذا لم يجد ماء تيمم… ويذهب الإمام مالك -رحمه الله- في قياسه إلى أبعدها مما اشترطه الجمهور من كون المقيس عليه ثابتا بنص أو إجماع أو باتفاق المتناظرين فيقيس على ما ارتضاه من رأي في بعض المسائل وإن خالف ذلك جمهور الفقهاء فقد قاس زكاة الدين لغير المدير [15]على زكاة عروض المحتكر.
فالتاجر المحتكر عند مالك لا يزكي تجارته إلا بعد بيعها ولعام واحد ولو مضى عليها عدة سنوات.
وهذه الفتوى انفرد بها مالك عن الجمهور فإنهم يوجبون على التاجر أن يقوم كل عام عروضه ويزكي مديرا كان أو محتكرا. فالأصل الذي تم القياس عليه قد انفرد به مالك والفرع الذي هو زكاة دين غير المدير مختلف فيه أيضا، فرأي يرى أن لا زكاة فيه وإنما يستقبل به حولا كاملا بعد قبضه. ورأي آخر يرى وجوب زكاته لكل حول. ورأي ثالث يرى أنه يزكي لعام واحد وهذا الرأي هو الذي استدل له مالك رحمه الله بالقياس[16].
ولمالك -رحمه الله- أقيسة كثيرة في هذا السياق دلت على سعة فقه وقوة مداركه ونباهة استنباطه.
وجماع الرأي والأقوال فيما ذهب إليه القائلون بجواز جميع الأحكام بالقياس وهو الرأي الشاذ على فرضية جريان القياس في ثبوت أحكام المعاملات المالية، وغيرها، بالقياس وهو ما عارض ما ذهب إليه جمهور الأصوليين من عدم جواز ثبوت كل الأحكام الشرعية بالقياس “[17].
بعد أن استعرض د. عبد العزيز بن عبد الله النملة في كتابه الآراء الشاذة في أصول الفقه مطيلا النفس في ذكر أدلة القائلين به والمانعين مع ايراد أدلة كل فريق تحت مطلب موسوم بجواز إجراء القياس في جميع الأحكام، بعد أن صرح بما صرح به بعض الأصوليين بأن القول بجواز ثبوت كل الأحكام بالقياس قول شاذ، [18]مع أن نسبة هذا القول والرأي لم يصرح به الأصوليون فينسبوه لأحد وإنما جاءت النسبة لقوم وإلى ادراجه في دائرة الشاذ.
ليظهر بعد ذلك د. عبد العزيز النملة ما ظهر له من نوع الخلاف وثمرته بقوله: ” ويظهر لي أن الخلاف حقيقي ينبني عليه أثر في بعض الفروع الفقهية التي يرى أصحاب القول الشاذ أنه يجوز فيها القياس، بينما يرى جماهير الأصوليين عدم جواز ذلك وإن كان أصحاب القولين لم يذكروا شيئا من ذلك “[19].
والاستدلال بالقياس والتعليل به لم يتأتى لكل الناس وإنما إجراء الأقيسة في كثير من الأحكام هو حظ المتبحر في الأدلة الشرعية ومن حظي بقوة استحضار الدليل. والمقيس عليه. في مختلف ما يعرض ويطرأ ومن خاض هذا البحر اللجي ببضاعة قليلة وزاد غير كاف يصعب بل يستحيل إتمام الرحلة بسلام من غير الغرق في المتشابه من المسائل والمضبب من النوازل.
يقول ابن تيمية رحمه الله. “ومن كان متبحرا في الأدلة الشرعية أمكنه أن يستدل على غالب الأحكام بالنصوص والأقيسة “[20].
وذلك فضل الله يوتيه من يشاء لمن قيضهم رب العزة والجلال لخدمة دينه.
خاتمة:
يعتبر الفقه المالكي من أفضل المذاهب وأمتنها في باب فقه المعاملات المالية، لما يحمله في أصوله وفروعه من أصول استنباطية تسعف المجتهد في بداياته، والمقتصد في نهاياته، فغلق الباب سدا للذريعة إلى المعاملات التي قد تشوبها شوائب الغرر والتغرير والغبن والظلم والربا، ويفتحها إذا كانت ستسلم مما ذُكر من علل وقوادح في المعاملات، اعتباراً للمآلـ وصوناً لبيضة المعاملات وانسجامها مع القواد الشرعية المقررة، والضوابط المرعية المصلحية لأطراف العقد.
فهرس المصادر والمراجع:
- علوم الحديث المعروفة بمقدمة ابن الصلاح.
- علوم الحديث، لتقي الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمان الشهرزوري المشهور بابن الصلاح مكتبة الفارابي، الطبعة الأولى 1984 م.
- الموافقات، للإمام الشاطبي، تحقيق الدكتور نعمان جغيم، الطبعة الأولى (1430هـ ـ 2009م)، دار ابن حزم للنشر والتوزيع.
- إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام أبي عبد الله مالك أحمد بن يحيى الونشريسي (ت ٩١٤ هـ) دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤٢٧ هـ – ٢٠٠٦ م.
- معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة، محمَّد بنْ حسَيْن بن حَسنْ الجيزاني، دار ابن الجوزي، الطبعة الخامسة، ١٤٢٧ هـ.
- إعلام الموقعين عن رب العالمين، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (ت ٧٥١هـ)، تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية – ييروت، الطبعة: الأولى، ١٤١١هـ – ١٩٩١م.
- فقه النوازل، بكر بن عبد الله أبو زيد بن محمد بن عبد الله بن بكر بن عثمان بن يحيى بن غيهب بن محمد (المتوفى : ١٤٢٩هـ) مؤسسة الرسالة، الطبعة : الأولى – ١٤١٦ هـ ، ١٩٩٦ م.
- الفتاوى بقلم المرحوم برحمة الله محمد كنوني المذكوري قدم له العلامة الأستاذ عبد الله كنون الأمين العام لرابطة العلماء بالمغرب.
- التطبيق المقاصدي في فقه الأموال من خلال كتاب المعيار الجديد.
- الفقه الإسلامي في طريق التجديد محمد سليم العواد منشورات الزمن سلسلة شرقات 22.
- الجامع لأحكام وأصول الفقه.
- مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول، لأبي عبد الله محمد بن أحمد الحسني التلمساني (المتوفى: 771هـ) تحقيق محمد علي فركوس، المكتبة المكية – مكة المكرمة، مؤسسة الريان – بيروت، الطبعة الأولى، 1419هـ – 1998م.
- أصول فقه الإمام مالك أدلته العقلية.
- الآراء الشاذة في أصول الفقه دراسة استقرائية نقدية، د. عبد العزيز بن عبد الله بن علي النملة، عضو هيئة التدريس بقسم أصول الفقه كلية الشريعة وأصول الدين جامعة القصيم، دار التدمرية.
- تقريب الوصول إلى علم الأصول.
- علوم الحديث المعروفة بمقدمة ابن الصلاح، علوم الحديث، لتقي الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمان الشهرزوري المشهور بابن الصلاح مكتبة الفارابي، الطبعة الأولى 1984 م، 1/168. ↑
- الموافقات، للإمام الشاطبي، تحقيق الدكتور نعمان جغيم، الطبعة الأولى (1430هـ ـ 2009م)، دار ابن حزم للنشر والتوزيع، ص: 25. ↑
- إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام أبي عبد الله مالك أحمد بن يحيى الونشريسي (ت ٩١٤ هـ) دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤٢٧ هـ – ٢٠٠٦ م ↑
- معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة، محمَّد بنْ حسَيْن بن حَسنْ الجيزاني، دار ابن الجوزي، الطبعة الخامسة، ١٤٢٧ هـ، ص: 362. ↑
-
إعلام الموقعين عن رب العالمين، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (ت ٧٥١هـ)، تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية – ييروت، الطبعة: الأولى، ١٤١١هـ – ١٩٩١م، ص: 3/88.
”
م ↑
- فقه النوازل، بكر بن عبد الله أبو زيد بن محمد بن عبد الله بن بكر بن عثمان بن يحيى بن غيهب بن محمد (المتوفى : ١٤٢٩هـ) مؤسسة الرسالة، الطبعة : الأولى – ١٤١٦ هـ ، ١٩٩٦ م، ص: 1/32. ↑
- الفتاوى بقلم المرحوم برحمة الله محمد كنوني المذكوري قدم له العلامة الأستاذ عبد الله كنون الأمين العام لرابطة العلماء بالمغرب ص: 180-181. ↑
- المرجع نفسه، (ص: 182-183). ↑
- التطبيق المقاصدي في فقه الأموال من خلال كتاب المعيار الجديد، (ص: 114). ↑
- الفقه الإسلامي في طريق التجديد محمد سليم العواد منشورات الزمن سلسلة شرقات 22، (ص: 233). ↑
- الجامع لأحكام وأصول الفقه، (ص: 323). ↑
- هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن يحيى بن عبد الرحمان القرشي التلمساني فقيه مالكي وأصولي له باب في علم التفسير والحديث ومن مؤلفاته مفتاح الأصول إلى علم الأصول توفي سنة: 759هـ. ↑
- مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول، لأبي عبد الله محمد بن أحمد الحسني التلمساني (المتوفى: 771هـ) تحقيق محمد علي فركوس، المكتبة المكية – مكة المكرمة، مؤسسة الريان – بيروت، الطبعة الأولى، 1419هـ – 1998م، (ص: 167). ↑
- أصول فقه الإمام مالك أدلته العقلية، (ص: 115) بتصرف طفيف. ↑
- التاجر المدير عند المالكية هو الذي يكثر بيعه وشراؤه ولا يقدر أن يضبط أحواله ويبيع بسعر يومه ويخلف ماعنده بغير كأرباب الحوانيت. ↑
- أصول فقه الإمام مالك أدلته العقلية (ص: 115-119). ↑
- الآراء الشاذة في أصول الفقه دراسة استقرائية نقدية، د. عبد العزيز بن عبد الله بن علي النملة، عضو هيئة التدريس بقسم أصول الفقه كلية الشريعة وأصول الدين جامعة القصيم، دار التدمرية، (1/517). ↑
- المرجع نفسه، (ص: 115). ↑
- المرجع نفسه، (ص: 519). ↑
- ( ) تقريب الوصول إلى علم الأصول، (2\224). ↑
