وقفة مع البعد التعبدي للبحث العلمي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تأتي هذه الكلمات بعد انقطاع فرضته كثافة الالتزامات وضيق الوقت، لا فتور اهتمام، ولا انصراف عناية؛ فالشأن العلمي، ولا سيما ما يتصل بتكوين الباحثين في مرحلة الدراسات العليا، يظل حاضرًا في الذهن، وإن حالت الظروف دون التواصل المباشر. غير أن بعض المواقف العلمية تفرض نفسها، وتستدعي الوقوف عندها، لا من باب التذكير المجرد، بل من باب المراجعة الصادقة للنفس قبل مخاطبة الغير.
وقد استوقفني ذلك وأنا أُعِدّ اختبار طالبات الدراسات العليا؛ إذ وقعت عيني على فقرة بديعة في كتاب أبجديات البحث في العلوم الشرعية، كنت قد قرأتها سابقًا، ودرستها غير مرة، ومررنا عليها في سياق المنهج والتأصيل، غير أني في هذه المرة شعرت أن النص لا يخاطب الطالب وحده، بل يعود ليخاطب الباحث المعلّم، ويستنهض فيه معنىً أعمق، ويهذّب في النفس ما لا تهذّبه كثرة التكرار، ولا تصنعه كثافة الاطلاع.
ذلك أن من خصائص المعاني الصادقة، المؤصّلة، أنها لا تُستنفد بتكرار القراءة، بل يتجدد أثرها كلما تغيّرت الحال، ونضجت التجربة، واتسعت المسؤولية العلمية. وكلما طال عمر الباحث في البحث، أدرك أن أعظم ما يحتاجه في مسيرته ليس إضافة أدوات جديدة فحسب، بل تجديد القصد، واستقامة النية، واستحضار البعد التعبدي في عملٍ قد يَحسبه بعضهم جهدًا ذهنيًا مجردًا.
وقد يغفل بعض الباحثين عن إدراج البعد التعبدي ضمن ضوابط البحث العلمي، ظنًّا أن البحث نشاطٌ عقلي محض، أو ممارسةٌ ذهنية محايدة، والحقيقة أن البحث – ولا سيما في العلوم الشرعية – عبادةٌ من أجلِّ العبادات، وقُربةٌ من أعظم القُرَب، إذا صحَّت فيها النية، واستقامت على ميزان الإخلاص، وابتُغي بها وجه الله تعالى.
فالبحث العلمي ليس مجرد جمعٍ للمعلومات، ولا ترتيبٍ للنقول، ولا استعراضٍ للأقوال، بل هو سعيٌ معرفي طويل، يستهلك من عمر الباحث أوقاته النفيسة، وجهده الذهني، وطاقته النفسية، وربما امتد به سنواتٍ من عمره، بين قراءةٍ ومقارنة، وتحقيقٍ وتمحيص، ونظرٍ وتأمل. ومن هنا كان الخطر عظيمًا، والخسارة جسيمة، إذا انقضت تلك الأعوام، وانتهت تلك الجهود، ولم يكن القصد فيها لله تعالى، ولم يُحتسب الأجر عنده سبحانه.
وقد نبّهت كتب منهجية البحث في العلوم الشرعية – وفي طليعتها أبجديات البحث في العلوم الشرعية – إلى أن الباحث الشرعي لا ينفصل في نشاطه العلمي عن كونه عبدًا لله، مكلَّفًا بإصلاح قصده، ومراقبة نيته، واستحضار عبوديته في كل ما يكتب ويبحث ويحقق. فالعلم في حقيقته عبادة، وطلبه قربة، وبذله رسالة، ولا يستقيم شيء من ذلك إلا بإخلاص النية لله رب العالمين.
وهذا الجانب التعبدي في البحث العلمي ليس توجيهًا وعظيًا عابرًا، ولا مقدمة إنشائية تُستفتح بها الرسائل ثم تُغفل عند أول مشقة، بل هو ضابطٌ حاكم لمسيرة البحث كلها، يضبط النية، ويهذّب القصد، ويصاحب الباحث في جميع مراحله، ظاهرها وخفيها؛ قالباحث في الدراسات العليا لا يخوض تجربة قصيرة، ولا يمر بجهد عابر، بل يدخل مسارًا طويلًا، قد يمتد سنوات من عمره، يُنفق فيه وقته، ويستفرغ جهده، ويستنزف طاقته الذهنية والنفسية بين قراءة ومراجعة، وتحقيق ومقارنة، وكتابةٍ وتحرير. وهنا تتجلى خطورة الغفلة عن القصد؛ إذ قد تنقضي تلك السنين، ويُنجز البحث في صورته الأكاديمية الكاملة، غير أن صاحبه يخرج منه خالي الوفاض من الأجر، إن لم يكن قد عقد النية على وجهٍ صحيح، واحتسب عمله عند الله تعالى.
وقد يَحصِّل الباحث الشهادات، وينشر له البحث، ويشار إليه بالبَنان، وتُرفع منزلته في أعين الناس، غير أن هذا كله لا يضمن له القبول ولا الأجر، إن لم يكن الإخلاص حاضرًا في قصده؛ إذ قد يخرج من عمله صفر اليدين من الثواب، كما قرر أهل العلم بقولهم: ربَّ عملٍ صغير تعظّمه النية، وربَّ عملٍ عظيم تصغّره النية. فكيف بعملٍ عظيم في ظاهره، طويل في مدته، شاق في مسيرته، ثم يُجرَّد من روح الإخلاص؟
وإن من أعظم ما يعين الباحث على الثبات في طريق البحث، والصبر على مشقاته، والأنس بخلواته العلمية، أن يستحضر أنه في عبادةٍ متصلة، وأن كل صفحة يقرؤها، وكل مسألة يحررها، وكل نص يحققه، إنما هو خطوة في ميزان حسناته، إن هو احتسب الأجر، وصدق في طلب مرضاة الله. فالإخلاص هنا ليس قيمة وعظية مجردة، ولا ترفًا روحيًا، بل هو ضرورة منهجية، وضابطٌ شرعي، وركن خفيّ يقوم عليه العمل كله.
كما أن استحضار هذا الجانب التعبدي يقي الباحث آفاتٍ منهجية خطيرة؛ من حب الظهور، وطلب السمعة، والتعجل في النتائج، والتساهل في الأمانة العلمية، ويورثه خشيةً في القول، وورعًا في النقل، وتجردًا في الترجيح، وعدلًا في عرض الأقوال؛ لأن من علم أن الله مطّلع على خلواته العلمية، ناظر في قصده قبل عمله، استقام في منهجه، ولو غاب الرقيب البشري.
و احتساب الأجر يمنح الباحث قدرةً أعلى على الصبر وطول النفس؛ إذ تتحول مشقة البحث، وطول السهر، وتكرار المراجعة، إلى عبادةٍ مأجورة، لا مجرد عبءٍ أكاديمي. وكم من باحث همّ بترك مشروعه، أو فترت همته في منتصف الطريق، لولا أنه استحضر أن جهده هذا محفوظ عند الله، لا يضيع، ولا يُهدر، ولو لم يُكتب له القبول الدنيوي أو الانتشار الواسع.
ومن هنا؛ فإن البحث الذي لا يُبنى على إخلاصٍ واحتساب، وإن بدا متقن الصياغة، محكم المنهج، فإنه بحث ناقص الروح، محدود البركة، أما البحث الذي يُؤسَّس على نية صالحة، وقصد تعبدي، فإنه – بإذن الله – مبارك الأثر، ممتد النفع، محفوظ في ميزان صاحبه، وإن لم يُكتب له الانتشار الواسع أو القبول الدنيوي.
وخلاصة القول: إن الباحث أحوج ما يكون إلى أن يسأل نفسه في كل مرحلة من مراحل بحثه: لمن أكتب؟ ولماذا أبحث؟ فإن كان الجواب: لله، وبالله، وفي سبيل خدمة العلم والدين؛ فقد ربح وإن تعب، وفاز وإن طال الطريق، وأفلح وإن خفي اسمه عن الناس، ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.
د. آلاء عادل العبيد – مجموعة خدمة الباحثين
https://x.com/Dr_alobied
