كتابة أهمية الدراسة في البحث العلمي : تأصيل منهجي وتطبيقات عملية
فكرة وإعداد: د. آلاء عادل جاسم العبيد
https://linktr.ee/Dr.AlaaAl.Obaid
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله الذي جعل طلب العلم من أفضل القربات لله، والصلاة والسلام على معلم البشرية، محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد: حديثنا اليوم إن شاء الله عن كتابة الأهمية في البحث العلمي
فمن الركائز الأساسية في البحث العلمي، وخصوصًا في البحوث الشرعية التي تعالج قضايا الأمة أو تستنبط الأحكام من أدلتها، أن يُبرِز الباحث أهمية دراسته بوضوح ومنهجية، فيقنع القارئ والمُحكِّم العلمي بجدوى بحثه، ويُظهر الحاجة الماسّة إليه من خلال عرض منظم، مدعوم بالشواهد الشرعية والعلمية والواقعية.
معاشر الفضلاء من خلال خبرتي المتواضعة في تحكيم البحوث الشرعية، وجدت أن كثيرًا من الدراسات المتميزة علميًا قد تُواجه صعوبات في القبول أو التقدير اللائق بها، لا لضعف في مادتها، وإنما لقصور في عرض بعض العناصر الرئيسة، وعلى رأسها: فقرة “أهمية الدراسة”.
وإنني أجزم – بعد الاطلاع على عدد غير قليل من الأبحاث – أن الصيغة المنهجية المرفقة لكتابة “أهمية الدراسة”، بما تحويه من تأصيل شرعي، وربط واقعي، وتفصيل علمي، ستسهم بإذن الله في تعزيز جودة البحوث، ورفع فرص قبولها في المجلات العلمية المحكمة، وإقناع المحكمين بأهمية الموضوع محل الدراسة.
وقد تم إعداد هذه الصيغة بناءً على تجربة عملية واطلاع مباشر على أبرز مواطن القوة والقصور في مئات الأبحاث، حرصًا على خدمة الباحثين، وتيسير سُبُل التميّز العلمي لهم.
ما المقصود بـ “أهمية الدراسة”؟
هي بيان الأسباب العلمية والعملية التي تجعل الموضوع جديرًا بالبحث.
وتختلف عن “أهداف الدراسة” التي تتحدث عن ما سيفعله الباحث، بينما تركز الأهمية على لماذا يستحق هذا الموضوع أن يُبحث؟
فكتابة “أهمية الدراسة” يُبرز الباحث بها النفع المرتجى من دراسته، ويُبيّن كيف يسد بها حاجة علمية أو عملية تخدم الشرع أو الناس أو المؤسسات.
ويُراعى في كتابتها بيان الحاجة العلمية: كندرة الدراسات أو ضعف الطرح السابق، والحاجة العملية: كمواجهة مشكلات تطبيقية أو قضايا نازلة، وحاجة الفئات المستفيدة: كالقضاء، والإفتاء، والهيئات الشرعية، والمجتمع. والارتباط بالمقاصد الشرعية أو الأهداف الوطنية.
أهمية علمية (النظرية): وتتعلق بالإضافة العلمية التي تسهم بها الدراسة، مثل:
سد فجوة معرفية أو بحثية في المسألة، تأصيل نازلة جديدة بمنهج علمي منضبط، تصحيح فهم شائع أو تصور فقهي غير دقيق، الجمع بين آراء فقهية أو تأصيل الأقوال المعاصرة.
مثال ذلك : “تبرز أهمية هذه الدراسة في تأصيل مفهوم التمويل الجماعي في الفقه الإسلامي، وربطه بالقواعد الشرعية، مما يسهم في بناء تصور فقهي حديث لم يُتناول بهذا الشمول من قبل
أهمية عملية (التطبيقية):وهي ما يرتبط بأثر الدراسة في الواقع، ومدى استفادة المؤسسات والفئات منها، مثل: لجهات القضائية والتشريعية، اللجان الشرعية والمفتين، الجمعيات الخيرية والممارسات الميدانية، المؤسسات التربوية والمجتمع العام.
مثال ذلك:”تتجلى الأهمية التطبيقية للدراسة في خدمة لجان الفتوى والجمعيات الخيرية، من خلال تقديم تأصيل شرعي لاستخدام الخوارزميات الذكية في تقييم المستفيدين، بما يضبط القرار الشرعي ويقلل من التحيز البشري.”
نماذج صيغ علمية معززة بالأثر الشرعي
يمكن للباحث استخدام صيغ علمية مؤثرة عند كتابة الأهمية، مثل:
تبرز أهمية هذه الدراسة من الحاجة المعاصرة إلى تأصيل نازلة كبرى لم يتناولها الفقهاء المتقدمون، مما استدعى إعمال قواعد الاجتهاد المقاصدي فيها.”
تتضح أهمية البحث في كونه يسد فراغًا معرفيًا في التعاملات الرقمية، التي فرضت واقعًا جديدًا على الفقه الإسلامي المعاصر.”
وقد جاء الشرع الحنيف بحفظ الأموال والأنفس، وهذه الدراسة تسعى لتفعيل هذا المقصد من خلال تأصيل حكم المعالجة بالذكاء الاصطناعي في المجال الصحي.”
وأرفق لكم معاشر الفضلاء هنا أبرز الأخطاء الشائعة في كتابة الأهمية:
الغموض والعمومية: كأن يقول الباحث “تكمن أهمية الدراسة في أنها تتناول موضوعًا مهمًا”، دون دليل، وهذه وجدتها في كثير من الأبحاث يبخل بها الباحث على نفسه في بيان أهمية بحثه.
الخلط بين الأهداف والأهمية، ومن المهم جدا التفريق بين الأهداف والأهمية؛ فالأهمية تشرح “لماذا نبحث؟”، والأهداف تشرح “ماذا نفعل؟”.
التركيز على ذات الباحث: وهذه تتكرر في بعض الأبحاث حيث يعتقد الباحث أنه بين أهمية بحثه، والواقع خلاف ذلك كأن يقول “اخترت هذا الموضوع لأنه يهمني شخصيًا”، ولكن عند التحقيق هذا لا يخدم الآخرين ولا يقدم قيمة علمية للقارئ والمحكّم.
الإطالة دون تركيز: وهذه تتكرر كثيرا خاصة في الرسائل العلمية؛ كأن يكتب الباحث فقرة طويلة بلا فكرة مركزية واضحة.
إغفال الجانب التطبيقي: رغم أن للموضوع أثرًا ظاهرًا في الواقع.
توصيات تطبيقية للباحثين في المجال الشرعي:
- الإيجاز في فقرة الأهمية قدر المستطاع (200–300 كلمة) ولكنها مركّزة ومدعومة.
- الاستناد إلى واقع علمي، أو قاعدة شرعية، أو حاجة مؤسسية موثقة.
- الحرص على التقسيم بين الأهمية العلمية والتطبيقية.
- ربط أهمية الدراسة بهدف شرعي (مثل تحقيق مقصد من المقاصد الخمسة) أو وطني أو مؤسسي.
- الاستفادة من مراجعة مقدمات الرسائل المحكمة وانتقاء نماذج مؤثرة.
- استعمال صيغًا علمية مثل: “تبرز أهمية الدراسة من خلال…” أو “تتجلى الأهمية في…” لتبدأ بها الفقرة بقوة.
ختامًا: إن فقرة “أهمية الدراسة” ليست عنصرًا شكليًا، بل هي المفتاح الذي يفتح قلب القارئ، ويقنع لجان التحكيم بجدوى البحث، وضرورة دعمه، وتقدير الجهد المبذول فيه.
وكلما أُحسِن في صياغتها من حيث التأصيل، والدليل، والتطبيق؛ كانت أداة فاعلة في قبول الدراسة وتقديرها.
وقد أثبتت التجربة أن الالتزام بهذه الخطوات يُكسب الباحث ثقة المحكم، ويقنعه بأن البحث يستحق النشر، لما فيه من جدّة وأهمية، لا سيما إن عُزّز بأدلة شرعية أو بيانات واقعية أو استشهادات علمية معتبرة.
أسأل الله أن يبارك في جهود الباحثين، ويجعل أعمالهم خالصة لوجهه الكريم، نفعًا للأمة، وسببًا في نهضتها العلمية والفكرية.
فكرة وإعداد: د. آلاء عادل جاسم العبيد
📧 yarb.3fwek@gmail.com
للانضمام لمجموعة خدمة الباحثين
https://chat.whatsapp.com/KMj8c0CT74HK4PgaRmvHA5
