أيها الباحث لا تستعجل الثمرة!
أ.د آلاء عادل العبيد
مجموعة خدمة الباحثين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أسعد الله مساءكم وأبعد الله ما ساءكم معاشر الباحثين وبعد..
فليست الكتابة البحثية أول مراحل البحث، كما يظن كثير من الباحثين، بل هي آخرها. وما القلم إلا شاهدٌ على رحلة طويلة سبقتها؛ رحلة من التأمل، والتحرير، وجمع الأطراف، وإحكام التصور، وتمحيص الأدلة، ومراجعة النفس قبل مراجعة النصوص. ومن هنا كان فساد كثير من البحوث لا يرجع إلى ضعف العبارة، ولا إلى قلة المصادر، وإنما إلى أن الباحث استعجل الثمرة قبل أن يُحكم غرس الشجرة.
ولقد حفظت الشريعة للأمة هذا المعنى قبل أن تعرف الجامعات مناهج البحث بقرون طويلة، فقررت أن القول فرع عن العلم، وأن الحكم فرع عن التصور، وأن الكلمة مسؤولية يُسأل عنها صاحبها بين يدي الله تعالى، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، وقال جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، فبنى هذا الدين حضارته العلمية على أصلين عظيمين: العلم قبل القول، والتثبت قبل الحكم.
ولهذا لم يكن عجيبًا أن يورث علماء الإسلام تلامذتهم منهج التفكير قبل أن يورثوهم المعلومات، وأن يغرسوا في نفوسهم هيبة الكلمة قبل أن يأذنوا لهم بالتصدر؛ لأنهم كانوا يدركون أن الخطأ في المنهج لا يصلحه جمال الأسلوب، وأن اضطراب الأصول لا تستره كثرة الفروع.
وقبل قليل، وأنا أراجع النسخة الأخيرة من رسالة إحدى طالبات الدكتوراه تمهيدًا لمناقشتها، لم يكن الذي يشغلني عدد صفحات الرسالة، ولا كثرة مراجعها، ولا جودة تنسيقها؛ وإنما كنت أقف عند ملاحظات تتكرر حتى كادت تصبح قاسمًا مشتركًا في كثير من الرسائل الجامعية، وهنا لاح في ذهني سؤال: لماذا تتكرر الأخطاء نفسها، مع كثرة الدورات، وتوافر المراجع، وسهولة الوصول إلى المعلومات؟
ثم بدا لي أن الجواب ليس في نقص المعلومات، وإنما في غياب التربية المنهجية؛ فكثيرٌ من الباحثين يتعلم كيف يكتب، لكنه لا يتعلم كيف يفكر، ويتدرب على بناء الفقرات، ولا يتدرب على بناء الأفكار، ويعرف كيف يوثق النقل، لكنه لم يتعلم بعد كيف يحرر محل النزاع، أو كيف يصنع شخصيةً علميةً مستقلة.
ومن هنا جاءت هذه الوقفات، لا لأمارس دور الناقد الذي يفتش عن العيوب فعيوب نفسي أولى بالنظر والإصلاح، وإنما أكتبها عوناً لكل باحث، ورغبة في أن أوفر عليه شيئًا من عناء الطريق، وأن أجنبه ملاحظات كنت أتمنى أن يتنبه إليها قبل أن تصل رسالته إلى لجنة المناقشة أو إلى المحكمين، ودعاءً لهم أن يوفر الله عليهم من أعمارهم ما يضيع في أخطاء كان يمكن تلافيها بقليل من التأمل، وكثير من الصدق مع النفس.
لقد علّمتني سنوات الإشراف العلمي، وقراءة الرسائل الجامعية، وتحكيم البحوث، أن جودة البحث لا تبدأ عند سلامة الأسلوب، ولا عند كثرة المراجع، ولا عند جمال التنسيق، وإنما تبدأ قبل ذلك كله عند طريقة التفكير، ولهذا فإن أكثر الأخطاء البحثية ليست أخطاء كتابة، وإنما هي أخطاء منهج، وما كان الخلل في المنهج، فلن تستره فصاحة العبارة، ولن تعالجه كثرة الهوامش، ولن تجبره المراجع الكثيرة.
وما أكثر الباحثين الذين أتعبوا أنفسهم في كتابة مئات الصفحات، ثم انتهوا إلى بحث ضعيف البناء؛ لأنهم بدأوا من حيث ينبغي أن ينتهوا، وانشغلوا بالصياغة قبل التصور، وبالتفريع قبل التأصيل، وبجمع المادة قبل تحرير الفكرة.
وليس المقصود من هذه الكلمات أن أستقصي جميع أخطاء البحث العلمي، فذلك مما يطول، وإنما أردت أن أقف مع أكثر الأخطاء شيوعًا، وأشدها أثرًا في إضعاف قيمة البحث، وهي أخطاء رأيتها تتكرر حتى كادت تصبح قاسمًا مشتركًا بين كثير من الباحثين في مراحلهم الأولى.
وأسأل الله تعالى أن يجعل هذه الوقفات نافعةً لطالب علمٍ في بداية الطريق، أو مذكِّرةً لباحثٍ أشرف على الفراغ من بحثه، أو سببًا في أن يخرج إلى الناس بحث أكثر إحكامًا، وأصدق منهجًا، وأعظم نفعًا.
أولًا: لا تبدأ الكتابة قبل أن يكتمل التصور
من أكثر ما وقفت عليه في الرسائل الجامعية أن الباحث يستعجل الإمساك بالقلم قبل أن يفرغ من ترتيب الفكرة، ويستأنس ببياض الصفحة قبل أن يستوثق من بياض التصور. فيشرع في الكتابة، ثم لا يلبث أن يعود فيغيِّر الخطة، ويحذف صفحات، ويضيف أخرى، وينتقل بالفكرة من موضع إلى موضع، حتى يغدو البحث أشبه ببناء أُقيمت جدرانه قبل أن تُرسم هندسته، وهذا من أعظم أسباب اضطراب البحوث، فإن القلم لا يُحسن التعبير عما لم يستقر في العقل، كما أن العبارة لا يمكن أن تكون أوضح من الفكرة التي وُلدت منها.
ولهذا كان العلماء يكرهون العجلة في التصنيف، ويعدّونها من آفات التأليف. وكما قال العماد الأصفهاني: (إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتاباً في يومه إلا قال في غده: لو غيرت هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قُدِّم هذا لكان أفضل، ولو تُرِكَ هذا لكان أجمل).
وما أحكمها من كلمة؛ فإنها لا تتحدث عن التصنيف فحسب، بل عن طبيعة الإنسان، وأن النضج لا يولد مع الفكرة، وإنما يولد مع كثرة مراجعتها.
إن ساعة يقضيها الباحث في تحرير مشكلة البحث، وتحديد أسئلته، وبناء هيكله العام، خير من ساعات طويلة يقضيها بعد ذلك في إعادة كتابة ما كان يمكن أن يُتقن من أول مرة.
ومن ذلك ما نجده عند كثير من الباحثين حين يخلط بين محل النزاع وبين موضوع البحث، فيطيل الكلام في مسائل لا خلاف فيها، ويستوعب مقدمات لا أثر لها في النتيجة، بينما تبقى النقطة التي يدور عليها الخلاف الحقيقي غامضة، فإذا لم يتحرر محل النزاع، اضطربت الأدلة، واختلطت الأقوال، وصار الباحث يرد على قول لم يقله أحد، أو يرجح بين رأيين لا تعارض بينهما.
لذلك لا تسأل نفسك: ماذا سأكتب؟ بل اسأل نفسك: ماذا أريد أن أصل إليه؟ فإن الجواب عن السؤال الثاني هو الذي يرسم طريق الأول.
ثانيًا: لا تجعل همَّك جمع الأقوال… بل تحرير المسألة
ومن الأخطاء التي تستوقف المحكِّمين كثيرًا أن يظن الباحث أن قيمة البحث تقاس بعدد النقول، وأن كثرة الصفحات دليل على عمق العلم، وهذا فهم بعيد عن حقيقة البحث العلمي، فليست وظيفة الباحث أن يكون مستودعًا للنقول، وإنما أن يكون بصيرًا بمواضعها، قادرًا على جمع أطرافها، ثم ردِّها إلى أصولها، وفهم عللها، وإدراك مواضع الاتفاق والافتراق بينها.
إن النقل بداية البحث، وليس نهايته، ولو كانت قيمة البحث في كثرة النقول، لكان الناسخ أعلم من الفقيه، ولكان جامع النصوص أولى بالاجتهاد من المحقق؛ ولكن العلماء ما عُرفوا بكثرة ما نقلوا، وإنما عُرفوا بحسن ما فهموا، ودقة ما حرروا.
و(ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما هو نور يقذفه الله في القلب) كما نقل عن الإمام مالك، والمعنى الذي أراده رحمه الله أن حقيقة العلم ليست في مجرد جمع الأخبار، وإنما في الفقه والفهم وحسن الاستنباط.
ولذلك ترى الباحث المتمكن قد يكتب في المسألة عشر صفحات، لكنها تفتح للقارئ آفاقًا لم تفتحها مئة صفحة من النقول المجردة.
أيها الباحث الكريم إن شخصيتك لا تظهر في الهوامش، وإنما تظهر في المناقشة، ولا تظهر في كثرة الإحالات، وإنما في حسن بناء الدليل، ولا تظهر في استعراض الأقوال، وإنما في جودة تحليلها، والفهم رزق، كما أن الحفظ رزق، فاسأل الله من فضله.
ثالثًا: لا تعتمد على مرجع واحد… فإن الحقيقة لا تُرى من زاوية واحدة
من آفات البحث العلمي أن يستريح الباحث لأول مصدر يقع في يده، فيجعله أصلًا يبني عليه بحثه، ثم لا يلبث أن يفتش في بقية المراجع عما يوافقه، لا عما يكمله أو يصححه، وهذا ليس من منهج أهل العلم؛ فالحق إنما يُعرف باستقراء الأدلة، وجمع أطراف المسألة، والنظر في كلام أهل الاختصاص، حتى تتكون للباحث صورة علمية مكتملة، لا صورة مجتزأة.
ومن هنا كانت كثرة المراجع ليست فضيلة في ذاتها، وإنما الفضيلة في حسن توظيفها، وتمييز قويها من ضعيفها، وأصيلها من تابعها، ومؤثرها من المكرر فيها، ولربما رجع الباحث إلى عشرين مرجعًا، فلم يزدد إلا تكرارًا؛ لأن جميعها تنقل من أصل واحد، بينما يجد في مرجع واحد أصيل ما لا يجده في عشرات المختصرات، وكما قيل ليس كل كثير نافعًا، ولا كل قليل قاصرًا.
رابعًا: لا تؤجل التوثيق
ومن الأخطاء التي تتكرر حتى عند بعض الباحثين المجتهدين، تأجيل توثيق النقول إلى ما بعد الفراغ من الكتابة، اعتمادًا على قوة الذاكرة، أو رغبةً في سرعة الإنجاز، وهذا من أكثر الأخطاء استنزافًا للوقت، وإفسادًا للعمل، فكم من نص نُقل، ثم نُسي موضعه، وكم من إحالة اختلطت بغيرها، وكم من ساعة ضاعت في تقليب المراجع بحثًا عن صفحة كان يمكن إثباتها في لحظة الكتابة.
ولقد تعلّم المحدثون هذا قبل قرون؛ فلم يكونوا يقبلون الرواية حتى تُضبط، ولا النقل حتى يُوثق، حتى نشأت علوم الإسناد، وصارت هذه الأمة – كما قال عبد الله بن المبارك رحمه الله) –الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.(
إن التوثيق ليس عملًا شكليًا، وإنما هو جزء من الأمانة العلمية بل هو شهادة يوقعها الباحث في آخر كل نقل، يقول بها للقارئ: هذا الكلام ليس من عندي، وقد دللتك على موضعه، فإن شئت فارجع إليه.
خامسًا: لا تجعل أول قارئ لبحثك هو المحكِّم
إن المحكِّم لم يُعيَّن ليُكمل ما نقص من بحثك، وإنما ليُقوِّم ما بقي فيه بعد أن استنفدتَ أنت كل وسائل المراجعة، فلا يليق بباحث قضى أشهرًا أو سنوات في إعداد بحثه، ثم يرسله في اليوم الذي فرغ فيه من كتابته، وكأن آخر سطر كتبه هو آخر ما يحتاج إليه؛ بل من الحكمة أن يترك الباحث بحثه أيامًا، ثم يعود إليه بعين القارئ، لا بعين المؤلف؛ فإن العين إذا ألفت النص، عميت عن كثيرٍ من عيوبه، أما إذا ابتعدت عنه قليلًا، ثم رجعت إليه، انكشف لها من مواضع الاضطراب ما لم تكن تراه، وهذا دأب العلماء يكثرون من مراجعة مصنفاتهم، بل ربما أعاد أحدهم النظر في الكتاب مرات ومرات قبل أن يأذن بتداوله، وما ذلك إلا لأنهم كانوا يعلمون أن أول ناقد ينبغي أن يواجه البحث هو صاحبه.
ومن واقع الخبرة لم أرَ باحثاً ندم على الوقت الذي أمضاه في مراجعة بحثه، وإنما يندم كثير من الباحثين على الصفحات التي استعجلوا في إرسالها، فإن ساعةً واحدة يقضيها الباحث في المراجعة الدقيقة، قد توفر عليه صفحات من ملاحظات المحكمين، بل ربما رفعت بحثه من مستوى إلى مستوى آخر.
سادسًا: لا تجعل البحث ساحة لإثبات الذات
ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الباحثين أن يظن أن الأصالة العلمية لا تتحقق إلا بمخالفة من سبقه، فيتكلف الاعتراض، ويتعسف في الترجيح، ويطلب الغريب ليُقال: جاء بجديد، وليس هذا من التحقيق في شيء؛ فإن الباحث لا يُمدح لأنه خالف، وإنما لأنه أصاب.
فالأصالة ليست في غرابة النتائج، وإنما في سلامة المنهج، وجودة النظر، ودقة الاستدلال، وحسن تحرير المسألة. وكم من باحث بلغ الغاية في التحقيق، ثم انتهى إلى ما قرره الأئمة قبله، فكان موافقته لهم ثمرة بحث ونظر، لا تقليدًا وتسليمًا.
فاجعل غايتك الوصول إلى الحق، لا طلب التميز؛ فإن الجديد قد يكون خطأ، والقديم قد يكون هو الحق الذي تشهد له الأدلة، وإنما يُعرف فضل الباحث بما يقيمه من برهان، لا بما ينفرد به من قول.
واعلم أن بين من يطلب الحق، ومن يطلب أن يُذكر، بونًا بعيدًا؛ فالأول يدعو إلى العلم، والثاني يدعو إلى نفسه. ومن كان قصده أن يُعرف، أفسدته الشهرة، ومن كان قصده أن يُعرِّف الناس بالحق، رفعه الله وإن خفي اسمه.
كلمة أخيرة… أيها الباحث الكريم… لا تجعل همك أن تُسلِّم البحث؛ بل اجعل همك أن تُحسن تقديمه إلى الله قبل أن تقدمه إلى الناس.
فإن البحث الشرعي خاصة ليس صناعة ألفاظ، ولا سباقًا إلى النشر، ولا وسيلةً إلى ترقية أو شهادة، وإنما هو شهادة يكتبها الباحث على العلم، وسيقف يومًا بين يدي الله تعالى يُسأل عنها: هل تحرى فيها الحق؟ وهل أنصف المخالف؟ وهل أدى الأمانة كما تلقاها؟
فاستحضر هذه المعاني، يبارك الله لك في قلمك، ويفتح لك من الفهم ما لا يفتحه لك كثرة القراءة وحدها.
واعلم أن أعظم البحوث ليست أكثرها صفحات، ولا أكثرها مراجع، وإنما أكثرها إخلاصًا، وأصدقها تحريًا، وأحكمها بناءً، وأبقاها أثرًا.
وكم من بحث صغير الحجم، عظيم البركة، بقيت الأمة تنتفع به قرونًا، وكم من مصنفات ضخمة طواها النسيان؛ لأن البركة ليست في الكثرة، وإنما في الإخلاص والإتقان.
وكما قال الإمام أحمد رحمه الله (العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته)، وإذا صلحت النية، واستقام المنهج، وأُحكم النظر، كان البحث أقرب إلى القبول عند الله، وأبقى أثرًا في الناس.
أسأل الله سبحانه أن يجعل العلم نورًا في قلوبنا، وحجةً لنا لا علينا، وأن يرزقنا الإخلاص في القصد، والصدق في الطلب، والأمانة في النقل، والعدل في الحكم، وأن يبارك في أقلام الباحثين، ويجعلها مفاتيح للخير، مغاليق للشر، وأن ينفع بما نكتب كما نفع بما كتب أئمتنا وعلماؤنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
