|

التشخيص الاقتصادي والسلوكي للاستهلاك المفرط

التشخيص الاقتصادي والسلوكي للاستهلاك المفرط

أد/ محمد دمان ذبيح

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين ثم أما بعد

يعد الاستهلاك المفرط ظاهرة خطيرة ، تنعكس سلبا على الفرد والمجتمع معا، وعلى مستوى جميع الأصعدة، ولا شك أن هذه الظاهرة ترجع إلى العديد من الأسباب التي أنشأتها، أو العوامل، والدوافع التي أوجدتها بشكل متزايد، ومستمر ، وهو ما سأحاول بإذن الله تعالى أن أبينه في هذه الكلمة المتواضعة كتشخيص لهذه الظاهرة ، وذلك كما مايلي :

أولا : تعريف الاستهلاك المفرط

هناك العديد من التعريفات للاستهلاك المفرط ، وكلها تندرج ضمن هذا المعنى :

«بأنه الحالة التي يتجاوز فيها الإنفاق القدرة المالية، والاستيعابية للفرد بشكل خاص، أو المجتمع بشكل عام ، و هو ما سيؤدي في الأخير إلى استنزاف الدخول والثروات ، و إلى الأزمات البيئية المتتالية، أي أنه إنفاق بدون تخطيط نتيجة عوامل نفسية أو اقتصادية أو اجتماعية. “[1]

فالاستهلاك المفرط يعبر عن شراء، واستخدام السلع، والمنتجات، والخدمات بكميات، وممارسات، تفوق الاحتياجات الفعلية الحقيقية للفرد، أو العائلة ،أو المجتمع، ومظاهره عديدة في مجتمعاتنا العربية، والخليجية خاصة في المناسبات، والأعياد ، والإجازات الصيفية، والشتوية، والأسفار، والتنقلات، وحتى في ممارسة الهوايات المنزلية ،والخارجية، سواء تمثل ذلك في المأكل ،والمشرب ، أو الملبس ، والمركب بصورة بذخية، حتى لو كان دخله الحقيقي لا يُعينه على ذلك إلا بوسائل مساعدة متمثلة أغلبها في السلف البنكية التي يُجبر على دفع أقساطها طوال العام، بعد عودته من الإجازة السنوية[2].

وكما مثال على ذلك فقد جاء في بعض الدراسات أن العرب ينفقون سنويا 20مليار دولار على العطل، وأن نسبة الانفاق السنوي على الكماليات، والأشياء غير المهمة في دول الخليج وحدها عشرون بالمائة، وينفق المجتمع السعودي سنويا على الطعام حوالي خمسين مليار ريال، نصف هذا المبلغ يذهب لسلة المهملات فعليا.[3]

ثانيا: التشخيص الاقتصادي للاستهلاك المفرط

وأقصد به التحليل الذي له علاقة بالجوانب المادية، والاقتصادية، والنقدية، والتي تدفع الأفراد إلى الاستهلاك المفرط،ويتمثل بشكل عام في العوامل التالية:

  • عامل النمو الاقتصادي (اقتصاد النمو اللامتناهي)

وهو نموذج اقتصادي رأسمالي يروج للاستهلاك المفرط بأنه يمثل الحلقة الأهم في العملية التنموية اللامتناهية، فهذا النوع من الاقتصاد يروج لثقافة الاستهلاك المفرط، أو اللامتناهي كما يسميه البعض كأحد أسباب الحركية الاقتصادية في المجتمع.[4]

  • توقع ارتفاع الأسعار

ذلك لأن توقعات ارتفاع الأسعار في المستقبل تدفع المستهلكين إلى العملية الشرائية فورا، وبطريقة عشوائية ، وهذا خوفا من عدم القدرة على اقتنائها مستقبلا ، بسبب غلائها، وانخفاض القدرة الشرائية.

  • الذعر الشرائي

وهذا العنصر له علاقة بالعنصر الذي قبله، فقط الفرق بينهما أن العنصر السابق يندفع المستهلكون لشراء السلع خوفا من غلائها مستقبلا، وهنا خوفا من اختفائها أصلا من سوق السلع، والخدمات في المستقبل.

  • زيادة الدخل

فالعلاقة طردية كما يعلم الجميع بين زيادة الدخل، وزيادة الاستهلاك، فكلما زاد دخل الفرد زاد انفاقه على مختلف السلع والخدمات[5]، أي أن استهلاك الفرد يتحدد من دخله، فإذا كان دخله مرتفعا زاد استهلاكه، و العكس صحيح ، فإذا لم يكن لهذا الفرد أي دخل تحت تصرفه قصد تحقيق رغبة الاستهلاك لجأ إلى الاستعانة بالآخرين، أو البيع ،أو التنازل عن ممتلك من ممتلكاته.[6]

  • سهولة الائتمان

ذلك لأن سهولة الحصول على الائتمان، يشجع على الاستهلاك المفرط بشكل فوري، و مستمر لمختلف السلع والخدمات.

  • الإعلانات التسويقية والاستهلاك المفرط

تلعب وسائل الإعلام بمختلف أنواعها (التقليدية والحديثة) دورا كبيرا في خلق حاجات وهمية لدى المستهلكين، وذلك من خلال استراتيجية تسويقية تعمل على ربط مختلف السلع، والخدمات بمشاعر الراحة والسعادة[7]، هذا إلى جانب خلق ما يعرف ب ” الخوف من الفوات ” أي الخوف من عدم اقتنائها، أو القلق من عدم امتلاكها، وهو سيؤدي في الأخير إلى خلق ضغط نفسي لدى المستهلكين من أجل شرائها.

وهذا ما يجعلنا نؤكد وبشكل جازم أن الإعلانات، ووسائل الإعلام المختلفة تعد من أهم الوسائل التي تشجع على الاستهلاك المفرط ، وتروج للمنتجات والخدمات ، مما يؤدي إلى زيادة الرغبة في اقتناء المزيد من الممتلكات والمنتجات.[8]

ثالثا: التشخيص السلوكي للاستهلاك المفرط

وأقصد به التحليل الذي له علاقة بالجوانب النفسية، والاجتماعية، والسلوكية، ويتمثل هو الآخر بشكل عام في العوامل التالية :

  • الاستهلاك التعبيري أو الرمزي

أين تتحول عملية الشراء من تلبية مختلف الحاجات الإنسانية إلى وسيلة للتعبير ، أو لإبراز المكانة الاجتماعية ، وهو ما يمكن أن نسميه وفق “نظرية فيبلين”باستهلاك التباهي أو التفاخر[9]، أي أنه اقتناء كل ما هو ذو قيمة ، وشهرة بغض النظر عن أهميته، ودون الحاجة الماسة إلى الاستهلاك في حد ذاته… لتحقيق مزيدا من الثقة في النفس، والحصول على مكانة اجتماعية، وهيبة زائفة في المجتمع، أو التميز.[10]

  • الإدمان السلوكي

وهذا يتجلى من خلال شراء سلع غير ضرورية بدافع العادة ،أو الرغبة في الترفيه، مما يخلق حالة من “إدمان الشراء “، أو مايعرف ب “الشراء القهري“.[11]

  • غياب الرشد والعقلانية

أي غياب سياسة واضحة توازن بين الدخل والإنفاق، مما يؤدي إلى السعي وراء رغبات ،وحاجات بمنطلق عاطفي ، بعيدا كل البعد عن الرشادة ،والعقلانية.

  • التقليد والمحاكاة ومسايرة المجموعة

لم يعد الفرد يتأثر في سلوكه الاستهلاكي بمحيطه الضيق من الأسرة ،والأقارب والجيران والوسط الذي يعيش فيه، بل اتسعت دائرة المجموعة المرجعية لديه لتشمل العالم بأسره، بفعل سهولة التواصل الناتج عن التطورات التكنولوجية، ووسائل التواصل الاجتماعي من جهة، وقلة الوعي من جهة أخرى، ولهذا الانسياق والتقليد الأعمى، له عواقبه الوخيمة على الفرد والمجتمع، فهو يخرج الفرد عن عادات مجتمعه، وثقافته لينخرط في عادات المجتمعات الأخرى، كما يوقعه في أزمة المديونية ، والانحراف عن الحياة السوية المستقرة، ولعل خير مثال على ذلك، المظاهر الاحتفالية بأعياد الميلاد والهلوين التي باتت ظاهرة، وبشكل مخزي في الدول الإسلامية، والتي يصاحبها تزايد الطلب على بعض المنتجات الاستهلاكية التي تقدس هذه الأحداث.[12]

  • الاقتصاد الرقمي والاستهلاك المفرط

يعتمد الاقتصاد الرقمي كنظام اقتصادي على التقنيات الرقمية الحديثة من إنترنت، وذكاء اصطناعي وغيرها من أجل تنشيط الحركية الاقتصادية في المجتمع من الإنتاج ، والتوزيع إلى الاستهلاك.

وعلى الرغم من مزاياه المتعددة، فهو يعد أحد أهم الأسباب الرئيسة في دفع المستهلك إلى الشراء العشوائي في إطار ما يعرف ب ” الإرهاق الرقمي ” الناتج عن ” اقتصاد الانتباه “، الذي يعمل على جذب انتباه المستهلكين لفترة طويلة، من خلال الوفرة الهائلة من المعلومات، والمحتوى الرقمي المفرط، و هو الأمر الذي يتطلب وبشكل مستعجل ضرورة التحلي ” بالصيام الرقمي ” كآلية فعالة لاسترجاع السيطرة على الانتباه، والتحكم في الاستهلاك غير الرشيد.

ولا شك أن مما يعمل على الوصول بالفرد إلى مستوى الاستهلاك غير الواعي ، ودون شعور منه، بل يراه الاستهلاك الرشيد والعقلاني تنوع الاستراتيجيات ، والوسائل التي يوظفها الاقتصاد الرقمي ، هذا إلى جانب سهولة، و بساطة استخدامها من طرف المستهلك ، ومن أهم هذه الوسائل والأساليب:

  • تطبيقات التسوق

التي تتيح للمستخدمين عملية التصفح، والشراء بشكل مباشر عبر الأنترنت، ومن أشهر هذه التطبيقات: ” أمازون، شي أن، تيمو ، جوميا ، علي اكسبريس وغيرها…”

  • الدفع السهل

أو تسهيلات الدفع ، والتي يتم التسديد من خلالها بشكل سريع ، وآمن، وغير نقدي، وذلك عن طريق الأجهزة الإلكترونية، والبطاقات البنكية وغيرها…

  • الشوبينغ

والذي يعني التسوق بمفهومه التقليدي، أو بمفهومه الحديث ( الأنترنت ) ، وهو عبارة عن عملية البحث المتواصلة عن مختلف السلع ، والخدمات بهدف اقتنائها، ويعتبره بعض المختصين ، والباحثين في مجال التسوق بأنه صورة من صور الأنشطة الترفيهية، التي لها علاقة بشكل مباشر بالهواية الممتعة، و حب الاستطلاع ، و التعرف على كل ما هو جديد من موضة وغيرها…[13]

وقد كشفت دراسة نشرت في مجلة “العلوم الإنسانية الاجتماعية” في المملكة العربية السعودية حول التسوق الإلكتروني عبر وسائل التواصل الاجتماعي، عن أن الملابس تأتي في مقدمة السلع المشتراة بنسبة 63.8 في المئة، تليها الأحذية، والحقائب بنسبة 38.8 في المئة، ومستحضرات التجميل والعطور 35 في المئة. ​

وأخيرا وصفوة القول فإن التشخيص الاقتصادي ، والسلوكي للاستهلاك المفرط يعود إلى تداخل العديد من العوامل النفسية ( السلوكية ) مع المغريات الاقتصادية ، والتي تجعل الفرد يندفع نحو شراء ، واقتناء السلع ، والخدمات بكميات متزايدة ، غالبا ما تكون كمالية ، وليست ضرورية ، وهو ما يعرف “بالنزعة الاستهلاكية ” ، التي تنعكس سلبا على مستوى جميع الأصعدة، والتي تستوجب علاجا فعالا للقضاء على هذه الظاهرة ، أو على الأقل التخفيف، والتقليل من حدتها، وخطورتها.

تم بعون الله تعالى وتوفيقه

الهوامش

  1. – أحمد جابر ، حوار إذاعي ، منشور على موقع www.mc-doualiya.com/programs/familiy-children-parent-society.

  2. – محمد البهزاد، اقتصاديات.. الاستهلاك المُفرط وآثاره، تاريخ التصفح 22//01/2026، www.raya.com.

  3. – تسنيم دحلان ، آفة الاستهلاك.. كيف تخدعنا الشركات لشراء ما لا نحتاجه؟، تاريخ التصفح 25//01/2026، www.aljazeera.net.

  4. -وهذا التحليل يرجع إلى الفكرة الكينزية الرائجة التي ترى أن الإنفاق الاستهلاكي هو المحرك الأساسي للاقتصاد، وأن تشجيع المستهلكين على الإنفاق هو هدف أساسي من أهداف السياسة، وبالتالي يرى هذا المنظور أن النزعة الاستهلاكية ظاهرة إيجابية تغذي النمو الاقتصادي.

  5. – وتشير الدراسات المختلفة أن النساء ، والشباب هم الفئة الأكثر تعبيرا عن هذه العلاقة بين الدخل والإنفاق الاستهلاكي.

  6. – خالد الوزني، حسين الرفاعي، مبادئ الاقتصاد الكلي، ص : 82 وما بعدها.

  7. – ووفقا لعلم النفس فإن التسوق العشوائي يعزز ” هرمون الدوبامين” المسؤول عن مراكز المتعة في الدماغ.

  8. – أسباب الاستهلاك المفرط، تاريخ التصفح : 26/01/2026م. www.ammonnews.net/article/732604.

  9. – نظرية فيبلين (Veblen Theory) أو الاستهلاك التفاخري، التي صاغها الاقتصادي الأمريكي ثورستين فيبلين عام 1899، تفسر سلوكا استهلاكياً تزيد فيه الرغبة في شراء السلع الفاخرة (سلع فيبلين) كلما ارتفع سعرها، لتصبح رمزا للمكانة الاجتماعية، والتميز. هذا السلوك يعاكس قانون الطلب التقليدي، حيث يُنظر للسلع الباهظة كدليل على الجودة والرفاهية.

  10. – أيمن محمود محمد عبد العال، العوامل المؤثرة في الاستهلاك المظهري للمرأة السعودية، مجلة دراسات في الخدمة الاجتماعية، ع57، ج 01، يناير 2022 ، ص: 14.

  11. – إلى جانب الرغبة في الترفيه هناك من يشتري فقط من أجل التنفيس العاطفي ، أو تفريغ المشاعر ،أو كتعويض عن شعور داخلي ، أو وسيلة للهروب من ضغوط الحياة ، أو تعويض عن نقص نفسي، وبالتالي الإدمان بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

  12. – عابد صونية ، رشيد الاستهلاك الفردي بين الاقتصاد الوضعي والاقتصاد الإسلامي وأثره في التنمية المستدامة ، الملتقى الوطني حول : سلوك المستهلك والتنمية المستدامة جامعة مصطفى اسطمبولي ـ معسكر ـ ، الجزائر ، يوم: 22 فيفري 2024، ص : 09 وما بعدها.

  13. – للمزيد انظر : معاذ ميمون . سمية غراب، الاستهلاك الرقمي : الاتجاهات الفرص والمعيقات، المجلة الدولية للدراسات التسويقية، جامعة فرحات عباس ، سطيف ، الجزائر، م02، ع 01، 2018م، ص: 25 وما بعدها.

موضوعات ذات صلة