|

من لم يبذل… يذبل في بركة التعليم ورسـوخ العلم

أ.د آلاء عادل العبيد 

الحمد لله الذي جعل العلم حياة للقلوب، ونورًا للعقول، ورفعة في الدنيا والآخرة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المعلم الأول والمربي الأمثل، الذي ما ترك خيرًا إلا دل الأمة عليه، ولا علمًا نافعًا إلا فتح لهم أبوابه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

من السنن الربانية التي لا تكاد تتخلف، أن النعم إذا شُكرت زادت، وإذا كُتمت نقصت، وإذا بُذلت بورك فيها. والعلم من أجل تلك النعم، بل هو النعمة التي بها تعرف سائر النعم، ويُهتدى إلى شكرها، ولذلك لم يجعل الله بقاءه في الأمة مرهونًا بكثرة حفظه، وإنما ببذله ونشره وتعليمه.

ومن هنا لم يكن من قبيل المصادفة أن تتكرر في القرآن الكريم وظيفة التعليم عند الحديث عن بعثة الأنبياء، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، فلو كان العلم يكتمل بمجرد تحصيله، لما كان التعليم جزءًا من وظيفة الرسالة، ولكن الله تعالى جعل التعليم قرين التزكية، وشطر الرسالة، لأن العلم لا يبلغ كماله إلا إذا خرج من صاحبه نافعًا لغيره.

ولهذا قال النبي ﷺ: “خيركم من تعلم القرآن وعلَّمه”، فلم يجعل الخيرية في التعلم وحده، ولا في التعليم وحده، وإنما جمع بينهما؛ لأن العلم إذا اقتصر على الأخذ بقي نفعه قاصرًا، فإذا انتقل إلى البذل اكتملت بركته، واتسع أثره، ودام نفعه.

ولذلك كان العلماء ينظرون إلى التعليم على أنه عبادة قبل أن يكون مهنة، ورسالة قبل أن يكون وظيفة، ووسيلة لتحصيل العلم قبل أن يكون وسيلة لنقله.

ومن تأمل سير الأئمة الكبار وجد أن علومهم لم تبلغ ما بلغت بمجرد كثرة القراءة، ولا بطول الخلوة مع الكتب، وإنما بما صحب ذلك من الإقراء، والإملاء، والتدريس، والمناظرة، ومجالس السؤال والجواب.

فالإمام مالك لم يكن مجرد صاحب كتاب، وإنما كان صاحب مجلس علم امتد عقودًا.

والإمام الشافعي لم تُصقل عباراته في عزلة، وإنما في حلقات التعليم والمناظرة.

وابن تيمية لم تتكون ملكته الفقهية والأصولية في أثناء التأليف وحده، وإنما في آلاف الفتاوى، والمجالس، والمناظرات، والأسئلة التي كانت تنهال عليه من كل صوب.

وابن القيم لم يكن ليبلغ تلك الدقة في تحرير المعاني، وذلك العمق في تحليل المسائل، لولا أنه عاش عمره معلمًا، ومناقشًا، ومجيبًا، ومربيًا.

ومن هنا بقيت علومهم، واتسع أثرهم، وكثر تلامذتهم، واستمرت كتبهم حيّة بعدهم قرون؛ لأنهم لم يورثوا الأمة كتبًا فحسب، بل ورثوها منهجًا في التعليم.

وهنا تتجلى سنة علمية يغفل عنها كثير من الباحثين؛ وهي أن التعليم لا ينقل العلم فحسب، بل يعيد بناءه في عقل صاحبه.

فالمعلم حين يشرح مسألة، يعيد ترتيب عناصرها.

وحين يجيب عن سؤال، يراجع أدلتها.

وحين يناقش اعتراضًا، يحرر مناطها.

وحين يبسط عبارة، يكتشف مواضع غموضها.

وحين يكرر شرحها، تستقر في نفسه استقرارًا لم يكن ليبلغه بمجرد القراءة.

ولهذا كان العلماء يعدّون مذاكرة العلم من أعظم أسباب بقائه، قال الإمام الزهري رحمه الله: “إنما يذهب العلم النسيان، وترك المذاكرة.”

ولم يقل: ترك القراءة.

لأن القراءة تُحصّل، أما المذاكرة والتعليم فيُثبتان.

وعن يعقوب بن عبد الرحمن: أن الزهري كان يكتب العلم عن عروة وغيره، فيأتي جارية له نائمة فيوقظها فيقول لها: حدثني فلان وفلان بكذا، فتقول: ما لي ولهذا؟ فيقول: قد علمت أنك لا تنتفعين به، ولكن سمعت الآن فأردت أن أستذكره.

فكأنه عندما لا يجد أحداً يذاكره الحديث كان يوقظ جاريته ويذاكرها أو يحدثها بالحديث.

ولعل هذا يفسر لنا سرًا آخر، وهو جزالة أساليب العلماء، ودقة عباراتهم، وإحكام مصنفاتهم.

فليس البيان وليد الموهبة وحدها، وإنما هو ثمرة التكرار، وكثرة البيان، وطول المران.

ولذلك كانت عبارات الأئمة تخرج محكمةً؛ لأنها مرت على مئات المجالس، وعشرات السنين، وآلاف الأسئلة، حتى استقامت ألفاظها، ورسخت معانيها، وصارت تُقرأ بعد قرون كأنها كُتبت اليوم.

معاشر الباحثين الكرام ما أردت إيصاله من هذ المقال أن التعليم ليس استهلاكًا لوقت الباحث كما يتوهم بعض الناس، بل هو استثمار لعلمه، وليس خصمًا من رصيده العلمي، بل من أعظم أسباب نمائه.

وليس انقطاعًا عن البحث، بل هو بحث من نوع آخر؛ إذ يفتح للباحث أبوابًا من الفهم قد لا تفتحها ساعات طويلة من القراءة المنفردة.

ومن هنا فإن من أخطر ما يواجه الباحث في هذا العصر أن يحبس العلم في الملفات، ويظن أن كثرة التحصيل تغنيه عن بذله.

فالعلوم التي لا تتجاوز صاحبها يوشك أن يصيبها الذبول، كما تذبل الأرض إذا مُنع عنها الماء.

أما العلم إذا جرى على اللسان، وتداولته العقول، وانتفع به الناس، فإن الله يبارك فيه، ويزيده رسوخًا، ويورث صاحبه من الفهم ما لا يناله بكثرة القراءة وحدها.

إن هذه المعاني لا ينبغي أن تبقى مجرد تأملات، بل تتحول إلى برنامج عملي، ومن ذلك:

أولًا: لا تؤخر التعليم حتى تظن أنك بلغت الكمال؛ فالكمال لا يُدرك، والتعليم نفسه من أعظم وسائل التحصيل.

ثانيًا: اجعل لكل كتاب تنهيه ثمرة تعليمية؛ كدرس، أو مجلس مذاكرة، أو مقال، أو شرح مختصر، فإن العلم إذا خرج من اللسان عاد إلى القلب أرسخ، -ونحن في نادي الاقتصاد الإسلامي نرحب بل ونسعد والله بمشاركاتكم الكريمة فلا تبخلوا على أنفسكم ولا تبخلوا على إخوانكم-.

ثالثًا: بعد كل باب علمي اسأل نفسك: هل أستطيع أن أشرح هذه المسألة شرحًا واضحًا؟ فإن عجزت، فاعلم أن فهمك لم يكتمل بعد.

رابعًا: لا تتهرب من أسئلة الطلاب والباحثين، فإن السؤال الجيد يفتح للباحث من أبواب الفهم ما لا تفتحه ساعات من القراءة.

خامسًا: نوِّع وسائل التعليم؛ فمرة بمحاضرة، وأخرى بمقال، وثالثة بحلقة نقاش، ورابعة بجواب علمي موثق؛ فإن تنوع البيان يزيد العلم رسوخًا.

سادسًا: دوِّن المسائل التي لم تنتبه إليها إلا أثناء التعليم، وستجد بعد مدة أن كثيرًا من فوائدك العلمية لم تولد في أثناء القراءة، وإنما وُلدت في أثناء البيان.

سابعًا: اجعل لك نصيبًا ثابتًا من تعليم العلم، ولو كان قليلًا؛ فإن أحب الأعمال إلى الله أدومها، والعلم يبارك فيه بالدوام أكثر مما يبارك فيه بالانقطاع.

ولعلي في الختام أن أختم بسؤال لن أسألك كم كتابًا قرأت؟، ولا: كم بحثًا كتبت؟

بل السؤال الأعمق أثرًا، والأبقى جوابًا: كم علمًا أحييت في قلب غيرك؟

معاشر الأفاضل والفضليات أن العلم إذا بُذل نما، وإذا عُلِّم رسخ، وإذا أُخلص فيه بورك، وإذا حُبس عن الناس ذبل أثره، وإن كثرت صفحاته.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الذين يتعلمون العلم ابتغاء وجهه، ويعملون به، ويبلغونه كما يحب ويرضى، وأن يرزقنا علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا، ولسانًا صادقًا، وأن يجعل ما نعلمه حجةً لنا لا علينا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

مجموعة خدمة الباحثين

أ.د آلاء عادل العبيد

30 يونيو 2026م

موضوعات ذات صلة